لا مخرج من الأزمة إلا بالعودة إلى الشعب الفلسطيني

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-02-12
1678
لا مخرج من الأزمة إلا بالعودة إلى الشعب الفلسطيني
حسن نافعة

أعتقد أن الوضع الفلسطيني وصل إلى درجة من التعقيد أصبح من الصعب معها توقع إمكانية وصول الأطراف المتصارعة إلى حلول وسط تسمح للحركة الوطنية الفلسطينية باستعادة حيويتها والاتفاق على استراتيجية أو حتى على برنامج موحد وفعال لإدارة الصراع مع المحتل الإسرائيلي وقيادة الشعب الفلسطيني بطريقة تمكنه من تحقيق آماله وطموحاته في التحرر وبناء دولته المستقلة. وقد أتيح لي أن أشارك مؤخرا في ورشة عمل دعا إليها المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء (مساواة) ، وعقدت في قبرص خلال الفترة من 25 - 27 يناير 2009 ، لبحث الآليات القانونية المتاحة للخروج من الأزمة الفلسطينية الراهنة. وقد شارك في هذه الورشة أساتذة جامعات وخبراء أجانب وعرب في القانون الدستوري والعلوم السياسية من بريطانيا وسويسرا ومصر والمغرب والعراق ولبنان والأردن وفلسطين ، وقام المركز الفلسطيني الداعي بتزويدهم بمختلف الوثائق القانونية التي تسمح لهم بالتعرف على طريقة عمل المؤسسات الفلسطينية.

 كان من المفترض أن تعقد ورشة العمل هذه في القاهرة في شهر نوفمبر الماضي ، وأن يكون الموضوع الوحيد المطروح على جدول أعمالها هو كيفيه الخروج من المأزق الدستوري المترتب على اقتراب موعد انتهاء فترة ولاية الرئيس محمود عباس وإعلان حماس أنها لن تعترف بشرعيته بعد 8 يناير ,2009 غير أن ظروفا وملابسات خاصة حالت دون انعقاد الورشة في ذلك التاريخ ، وحين أصبح انعقاد الورشة ممكنا ، كانت مياه كثيرة قد جرت في الأنهار الفلسطينية والعربية. فقبل أن تنتهي ولاية محمود عباس كانت فترة التهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة قد انتهت ، واتخذت إسرائيل من عدم تجديدها واستئناف إطلاق الصواريخ ذريعة لشن حرب شاملة على غزة ، كان لها تأثيرات بعيدة المدى على الحالة الفلسطينية وطرحت معطيات جديدة أدت إلى تعقيدها بأكثر مما هي معقدة.
 
في سياق هذا التداخل بين البعد الدستوري - القانوني والبعد السياسي أصبح من الصعب تماما أن تعثر ورشة العمل على مخرج قانوني يصلح أساسا لحل تقبل به الأطراف الفلسطينية المتصارعة ، واتفقت على ما يلي:
 
1 - أن الحالة الفلسطينية حالة استثنائية لا مثيل لها في أي نظام سياسي ، حيث لا توجد سوابق تاريخية مماثلة أو مشابهة تصلح للقياس عليها أو استخدامها كإطار مرجعي. فالنظام السياسي الفلسطيني الراهن هو إفراز لحركة تحرر وطني تحولت إلى سلطة على إثر اتفاق مع دولة احتلال ، نشأت بموجبه مؤسسات لإدارة أجزاء من الأراضي التي كان يفترض أن تقوم عليها دولة فلسطينية مستقلة ، في نهاية مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات تنتهي بحلول عام ,1999 ولأن مقومات الاستقلال للدولة المنشودة لم تكتمل ، لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا ، فقد نمت مؤسسات المرحلة الانتقالية بطريقة مشوهة وتحولت إلى مؤسسات شبه دائمة تقوم على أرض واقعة تحت الاحتلال الفعلي ، مما أوجد وضعا دستوريا بالغ الشذوذ. فالقانون الأساسي (أو الدستور) الذي تستند إليه هذه المؤسسات في أدائها لوظائفها يبدو ديمقراطيا من حيث الشكل: حيث ينص على أن الشعب مصدر السلطات ، ويتحدث عن مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية تقوم على مبدأ الفصل والتوازن والرقابة المتبادلة ، رغم عدم تمتعها بأي يصلاحيات حقيقية في ظل احتلال قائم تتركز في يده كل السلطات،. هذه المفارقة الواضحة بين نصوص تبدو شديدة الطموح وغير قابلة للتطبيق إلا في ظل دولة مستقلة ذات سيادة ، وواقع مقيد بسلاسل الاحتلال هو الذي يفسر معظم ما يواجهه النظام الفلسطيني من تعقيدات ، ومن بينها تعقيدات الأزمة الراهنة.
 
2 - للأزمة التي يواجهها النظام السياسي الفلسطيني حاليا بعد دستوري واضح. فولاية الرئيس محمود عباس ، وفقا لنص صريح في الدستور يحدد مدة الولاية الرئاسية بأربع سنوات من تاريخ الانتخاب ، تنتهي في 8 يناير عام ,2009 ومع ذلك يوجد في قانون الانتخاب المعمول به حاليا ، والذي صدر بعد تولي الرئيس لمنصبه (القانون 9 لسنة )2005 ، نص يتحدث عن ضرورة تزامن الانتخابات الرئاسية مع الانتخابات التشريعية ، وهو النص استند إليه الرئيس محمود عباس ليصدر قرارا بقانون يمد فترة ولايته عاما آخر كي تزامن الانتخابات الرئاسية مع الانتخابات التشريعية القادمة والتي يحين موعدها في 9 يناير 2010 ، وهو ما اعترضت عليه حماس واعتبرته قرارا باطلا بطلانا مطلقا ، خصوصا وأنه صدر بعد اندلاع الأزمة السياسية بين الطرفين. وكان يمكن لأزمة دستورية من هذا النوع أن تحل ببساطة ، في أي دولة تعمل مؤسساتها بشكل طبيعي ، باللجوء إلى المحكمة الدستورية. غير أن حلا كهذا ليس متاحا في نظام سياسي فلسطيني تبدو كل مؤسساته معطلة. فالنظام السياسي الفلسطيني بوضعه الحالي يحتوي على حكومتين ، أحدهما في غزة والأخرى في رام الله ، لا يعترف اي منهما بشرعية الآخر ، وكلاهما مشكوك في شرعيته الدستورية ، فضلا عن أن المجلس التشريعي معطل منذ قيام قوات الاحتلال باعتقال عدد كبير من نوابه. ويصعب على أي سلطة قضائية أن تمارس عملها في ظل وضع بهذا الشذوذ.
 
3 - من الواضح أن النظام السياسي الفلسطيني حاليا ، خاصة بعد انفراد حماس بإدارة قطاع غزة ، بات محشورا بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي ، من ناحية ، وسندان الانقسام بين فتح وحماس ، من ناحية أخرى. وإذا كان الانقسام السياسي والأيديولوجي بين الفريقين المتصارعين قد جعل الأزمة الدستورية تبدو وكأنها أزمة صراع على السلطة ، إلا أن الاحتلال الجاثم على الأرض الفلسطينية يعود ليذكرنا بعبثية صراع على سلطة لا وجود لها في الواقع حيث السلطة الفعلية والحقيقية ما تزال في يد قوات الاحتلال. وهنا تتضح الأسباب الحقيقية للأزمة والتي تكمن في وجود الاحتلال نفسه واختلاف الفريقين المتصارعين حول وسائل تحقيق الاستقلال الوطني. فبينما يرى أحدهما أنه لا سبيل لإنهاء الاحتلال إلا بالمفاوضات ، يرى الفريق الآخر أن المفاوضات جربت ولم تثمر شيئا له قيمة حتى الآن وأصبحت وسيلة لتكريس الاحتلال ، ومن ثم فلا سبيل لإنهائه إلا بالمقاومة المسلحة، من هنا قناعة كافة المشاركين في ورشة العمل المشار إليها بأنه لا حل للأزمة الفلسطينية الراهنة إلا بتوافق بين الفريقين المتصارعين على واحد من بديلين لا ثالث لهما ، أحدهما سياسي محض ، والآخر ذو صبغة قانونية:
 
البديل الأول: اتفاق كافة الفصائل الفلسطينية على استراتيجية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل ، بالوسائل السياسية أو العسكرية أو غيرها ، وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية على نحو يعكس ويؤكد هذه الاستراتيجية الموحدة ، وهو أمر يخرج عن نطاق المهمة الموكولة لورشة العمل.
 
البديل الثاني: الاحتكام إلى الشعب واستفتاؤه حول تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في منتصف عام ,2009 وفي هذه الحالة يتعين على الجانبين تهيئة الشروط اللازمة لكي تأتي هذه الانتجابات حرة ونزيهة تماما ، ومنها:
 
أ - الاتفاق على حكومة محايدة ومستقلة من شخصيات لا يرقى إليها الشك من حيث النزاهة تنحصر مهمتها في تنظيم الانتخابات وتصريف الأمور اليومية.
 
ب - الاتفاق على وسائل وآليات تضمن إشرافا دوليا كاملا ورقابة فعالة على سير العملية الانتخابية.
 
ج - تجميد المفاوضات مع إسرائيل إلى ما بعد الانتخابات ومحاولة العثور غلى آليات دولية تلزم إسرائيل في الوقت نفسه بوقف الاستيطان خلال تلك الفترة الانتقالية.
 
د - توافق فصائل المقاومة على إعلان هدنة لمدة عام على الأقل مقابل فتح المعابر وإنهاء الحصار بالكامل.
 
هـ - تولي لجنة مستقلة محايدة الإشراف على عمليات الإعمار في غزة.
 
و - التزام الحكومة المؤقتة بالقيام بواجباتها كاملة وعمل كل ما في وسعها لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين في المحافل الدولية.
 
وأظن أنه بات على العالم العربي ، خاصة في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائلية الأخيرة ، أن يلقي بكل ثقلها لوضع هذا التصور موضع التطبيق.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.