العاطل

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-11-24
1446
العاطل
بسام الياسين

جلس وحيدا في زاوية المقهى المعتمة يحدق في الفراغ، كشاهد قبر لميت غريب الاهل والدار. ملامحه مسطحة بلا تعابير، وعيناه راكدتان كمستنقع آسن لا يآخذ ولا يعطي. ما ان وطئت قدماي العتبة حتى ناداني باعلى صوته كي اشاركه احتساء القهوة. ولما اعتذرت بانني مجرد عابر سبيل افتش عن صديق. اطلق عدة «صليات» من الطلاق المغلظ كي اجلس معه، فاضطررت تحت الرماية الكثيفة من الايمان التي تهزالجبال ان اذعن له خوفا على ام عياله ان تذهب الى بيت ابيها ضحية فنجان قهوة.

 بعد وصلة من الترحيب والمجاملات طلب لي فنجان قهوة ثم التفت الى زوايا المقهى الذي يعج بالناس والضوضاء والدخان حتى استقر نظره في الركن الايسر، وسألني بعد ان مط شفتيه باسلوب مسرحي، هل تعرف ذلك الشخص الذي يتكوم هناك مثل كيس الزبالة؟! اومأت برأسي علامة النفي!! فقال: ذلك التعيس احب زميلة له في العمل حتى كاد ان يصاب بالهستيريا وفي الفصل الاخير من مسرحية رومانسية طويلة توج قصة حبه بالزواج منها، اقام له والده حفلة عرس اسطورية كانت ابدع واروع من حكايا الف ليلة وليلة، ولكن النهاية كانت كارثية، فالعريس المحترم مصاب بعجز مزمن كعجز الميزانية الاردنية غير القابلة للعلاج.
 
الاب الغيور على ابنه العريس اصيب بالاحباط من الانباء الراشحة من النساء المقربات من ام العروس عن اخفاقه المتكرر، وعجزه في ليلة دخلته، فاختلى به وسأله عن السبب في هبوط منسوب رجولته، فتذرع الابن بقلة الاضاءة في غرفة النوم، فما كان من الاب الا ان صفعه صارخا في وجهه: لقد دخلت على ـ الحجة ـ امك في العتمة، - رجال اخر زمان - لم يبق الا ان نضع لك لوحات ارشادية لتعرف الطريق. ورغم كل المحاولات والعلاج لم يفلح العريس لانه على ما يبدو يعاني من عجز ازلي   مما دفع العروس الى طلب الانفصال بعد ستة اشهر لليأس من تحسن حالته. مع انه كان يلتهم الفياجرا كالحلوى.
 
رشف رشفة سخية من قهوته التي فقدت حرارتها لتورطه بحديث طويل لا معنى له ثم زفر زفرة موجعة دس بعدها يده المعروقة في جيبه، واخرج علبة السجائر، انتزع واحدة، اشعلها بعصبية، وراح ينفث دخانها من فمه وانفه، ويرسم لوحات سريالية غامضة.
 
لوّح له احدهم بيده محييا من بعيد، توقف سيل الدخان المنبعث منه وقال: هذا هو الزمن الخؤون. الم تراه كيف يمشي بغرور كديك معتقدا   ان الفجر لن يبزغ على المدينة الا اذا صاح فوق مزبلته، مع انه في الواقع عقرب حقود معبأ بالسم، وقد اكتشفت صدفة بانه خائب وعائب، ومعرفتي به شـكلت صدمة لي، فالمقبرة تثور احيانا على امواتها، وتلفظهم من بطنها، لكنه لا يكترث لمن ينتهك حرمات بيته، ويمرغ سمعته بالارض، وها هو يعيش حياة طبيعية رغم انه حاوية عفونة.
 
صمت برهة، ظننت ان مسلسلة قد انتهى، لكنه ما لبث ان نظر الى الطاولة المجاورة التي يشغلها عجوز يرتدي نظارة سميكة، منهمك في مطالعة احدى الصحف. اقترب مني اكثر، هامسا في اذني اليمنى، هذا يساري قديم، انظر اليه، وتفحص هيئته، انه مثل راية مهزومة، بهتت الوانها، وتآكلت ساريتها، انه ما زال ممسكا بتلك الراية المنخورة رغم سقوطها في موطنها، المفارقة ان الاشجار الساكنة تغير اوراقها، وتخلع اغصانها الميتة، بينما آثر هذا اليساري البقاء كقلعة قديمة رطبة هجرها ساكنوها، فيما افكاره قنديل مطفأ يسكنه الظلام، وقد حاولت مرةً بسط الحقائق امامه الا انه انتفض كالملدوغ ، واتهمني وامثالي باننا مثل دواب اخر القطيع لا تلحق   الركب، ولا تحسن المشي الا بالركل والضرب.. انظر اليه مليا، انه احمق يقاتل العالم وحده بضراوة قائد سرب انتحاري. تفرست في وجه هذا المستنقع الذي لا يقوى على حمل زورق ورقي، وشممت رائحة غريبة تفوح من كلماته العدوانية.. فاستأذنته بالانصراف..
 
التفت الى الوراء وانا أهّم باجتياز  الشارع المزدحم بالحركة والحياة والناس، فلمحته يتمترس خلف طاولته يحدق في الفراغ، ويصنع حلقات من الدخان ينفثها فوق رؤوس الزبائن، ويبحث في نظرات قلقة   عن جليس يحدثه وآخر يغتابه.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.