من أسباب فشل التجارب الحزبية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-12-01
1459
من أسباب فشل التجارب الحزبية
المحامي عبد الوهاب المجالي

تأتي في مقدمة أسباب إخفاق التجارب الحزبية في الوطن العربي عدم تهيئة المناخ السياسي والإجتماعي لقبول فكرة الإنتقال من حالة الى أُخرى ، لأن الحياة العامة محكومة بموروث إجتماعي سلطوي ابوي قائم على طاعة الكبار وأولي الأمر المطلقة والإنصياع لأوامرهم ، التعبير عن رأي مغاير يعتبر تمرد وكفيل بتكفير صاحبة ودخوله النار .

 ظهور التيارات الفكرية التنظيمية واكب مرحلة الإستعمار الجديد مع بداية القرن العشرين الذي قسم الوطن العربي وشتت الأمة الإسلامية وخلط الحابل بالنابل ، جاءت الحالة كتقليد ورفض للواقع ، لكن عبر أطر ومفاهيم مختلطة ومتناقضة من الشرق والغرب ترتكز على الدين او العرق او اللادين . ضمن هذه المفاهيم فان محاولات إستقطاب الجماهير بشكل عام قد فشلت ، وإقتصار العمل على منطقة دون أخرى على الرغم من تشابه الأهداف ، تكيفت مع الواقع وتراجعت للعمل ضمن الأطر القطرية إمتثالاً لخارطة سايكس بيكو وعززتها ، ومزجت بين تلك النظريات ومسمياتها وشملت عناوين كل النظريات الدينية والقومية والإشتراكية في بعض الأحيان ظناً انها ترضي كل الأذواق ، النتائج كائنات هلامية لاشكل لها وإرتبط وجودها بأشخاص إنتهت بنهايتهم ، وإستمرار بعضها لإمساكه بالسلطة وإنتقالة الى الدكتاتورية .
 
الإنطلاق من خلفية دينيه او قوميه يعني بالضرورة إستثناء او إلغاء او تجاهل او إستبعاد او إستعباد طائفة او عرق ، اما الفكر الإشتراكي فوصم بالإلحاد ولم يفتتن الناس به ، فيما يتعلق بالحالة الأولى معروف ان الوطن العربي فيه أناس ليسوا عرباً ولا مسلمين ، ووجود بعضهم قد يكون سابقا على العرب والإسلام ، اما الحالة الثانية القادمة من اقصى أصقاع الشمال الشرقي فلم تحتمل حرارة المنطقة وذابت في منبع الرسالات .
 
 الأقليات تسمية غير محبذة لإيحائها الإنتقاص من حقوق المواطنة واغلب الدساتير الحديثة تجاوزت هذه النقطة إحتراماً لمواطنيها ، تلك الفئات سلمت بالأمر الواقع وصمتت كالألغام الموقوته ، وما ان لاحت الفرصة إغتنمت الفوضى الخلاقة وإرتفعت الأصوات للمطالبة بالإنفصال ، او إعادة الهوية كما في العراق والسودان والمغرب العربي وغيرها .
 
العمل على تصنيف المواطنيين مذهبياً وعرقياً ، كفرة ومؤمنين ، ضمن الإقليم الواحد يتناقض مع أهداف الأحزاب المرفوعة المتمثلة بالوحدة والحرية والحياة الأفضل ، فمن باب اولى على من يؤمن بذلك ان يُمكْنّ الآخرين من ممارسة حقوقهم ، والإمتناع عن تحريم عاداتهم وأعرافهم ، وان يقبل منهم ما يطالب به الأخرين . لاتختلف التنظيمات الحزبية عن بعضها كثيراً فهي تسير خلف العالم الفقيه ، المعصوم عن الخطأ ، مندوب الإله في الارض ، المطهر من الذنوب والأثام ، او إستوحت فكرة القائد الأوحد ، الملهم ، المهيب ، الذي يرى ما لايراه الناس ، على غرار الظاهرة اللينينية والهتلرية وغيرهما طبقاً للحالة التي عاشتها أوروبا في القرون الوسطى ، حيث تم ربط مصير الشعوب بأشخاص ، لم تكن ديموقراطية ولا تؤمن بالقيادة الجمعية .
 
لم تعمل تلك الأحزاب على التعبئة الجماهيرية بالإقناع ، بل فرضت نفسها بالقوة إن كانت حاكمة ، او إستغلت حاجة الناس وقدمت نفسها على انها آياد بيضاء عن طريق مساعدة الفقراء ، وجندتهم للجهاد موهمه إياهم انهم يمثلون مشاريع شهداء للإنتقال الى الجنة والخلاص من بؤس الأرض وزجت بهم في صراع مع السلطات ، وادعت ملكيتها الفضيلة وقدرتها على النصر والتحرير .
 
بعض الأحزاب الحاكمة خاضت حروبا على أشقائها لإثبات الذات ، وكذلك الجماعات والأحزاب الدينية دخلت في حروب بالنيابة لنفس الغاية واعلنت الجهاد ضد الكفار في الارض قاطبةً لتحرير بلاد المسلمين ، في الحالتين دفعنا ثمنا باهظا في النفس والمال والصق بالدين الإسلامي العنف والقتل والإرهاب ، وحُمّل المسؤولية عن تخلف ألأمة بالعودة الى حياة السلف ، وإختزل الدين بقطعة قماش تغطي وجه ورأس المرأة ، لقد اهملت كل المعاني الجوهرية التي هي غاية الرسالة ، القائمة على حب الخير والحق والعدل والمساواة والتسامح والمعاملة الحسنه والخلق التي هي من أساس الإيمان . 
 
الحكومات لعبت دوراً أساسياً في تهميش الأحزاب وتحجيم دورها وكبلتها بتشريعات ، شلت قدرتها على التأثير ، وجعلتها منزوعة الأنياب ، عاجزة عن الحركة ، ومتطلب مرحله لا اكثر . ما وصلنا إليه ، قبول ما قبلت به تلك التيارات بعد وصولها للسلطة ولو بطريق غير مشروع او بمساعدة الغزاة ، بإعتبار الإحتلال تحرير والمقاومة إرهاب والعمالة تنسيق كما في العراق وفلسطين ، والهيمنة تعاون والتبعية صداقة كما هو حال سائر بلاد العُرب .
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.