فلسطين والاردن

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-12-01
1926
فلسطين والاردن
بسام الياسين

 جاء في كتب التراث: «ان العربان كالبعران «جمع بعير» لا تمضغ احناكها الا اعشاب الذل والخنوع والهوان».

 العربان منذ خروجهم من الاندلس خرجوا من دائرة الفعل، ودخلوا دوامة السفسطة، برعوا في هندسة المفاوضات، والخوض في مسائل تميت القلب، وتشل العزيمة، بسلوكهم هذا الطريق الشائك بالشبهات، وتحولهم من الافعال البناءة والنافعة الى الاقوال التافهة المتهافته التي تهدم بعضها بعضا، وتناقض اللاحق منها سابقاتها، في الوقت الذي يُهّود فيه الصهاينة فلسطين من النهر الى البحر، ويزورون التاريخ، ويطهرون البشر والشجر والحجر من اي ملمح   عروبي.
 
من البديهات ان الدليل يقوم على اليقين، والحق ليس له سور ولا باب، وفلسطين عربية منذ ان خلق الله الخلق وهبط ادم على الارض، لكن اهل الحل والربط واصحاب القرار من العربان، آثروا النوم في العسل، واطلاق الشخير، وها هم ينعمون في سبات سياسي طويل على شاكلة ذوات الدم البارد، وينظرون الى القضية الاولى برؤية عمياء، بعد اجهاض المقاومة وتهميشها، وتعطيل الروح الجهادية لدى الامة، وتبني مبدأ الخراب، واعتماد سياسة الغياب، امام عدو متوحش لا يجد من يردعه، ولا من يقف في وجهه حتى ولا من يرفع اصبعا في مواجهته. يوازي هذا السقوط امام الصهاينة، اخفاقات داخلية في التنمية بكل مسمياتها، وفقدان للقيم النبيلة، وتراجع اقتصادي كبير، وتخبط سياسي مخجل، وتصدعات اجتماعية تنذر بالعودة الى بدائية متوحشة ينتج عنها مجتمعات مريضة تسودها الفوضى، وتحكمها العبثية، ديدنها القتل لاتفه الاسباب، وما مظاهر العنف في المجتمعات العربية الا تعبير صارخ عن الانهيار الشامل في المجالات الاقتصادية والسياسية والنفسية والاخلاقية، ووأد العدالة، واشاعة الظلم على يد النخب واستئثارهم بالسلطة وسيطرتهم على الثروة .
 
هذه مقدمة لا بد منها للولوج الى القضية الام، القضية الفلسطينية التي اسالت حبرا غزيرا من لدن كُتاب صادقين   ومنافقين على السواء، وشرفاء ومرتزقة، واحرار وتجار، وسفح لاجلها دما غاليا دفعه الشهداء الابرار، بينما تخثر دم المفاوضين والمطبعين في عروقهم لانهم «اولاد كلب» ولم يستوعب هؤلاء، واولئك ان المفاوضات ليست مفاوضات بل في حقيقتها حوار بين حضارتين مختلفتين، وصراع بين مشروعين متناقضيين، ولا ادل على ذلك من ان عريقات وزمرته عندما كانوا يفاوضون وهم بكامل اناقتهم اللافتة، وقباتهم المنشاة، وذقونهم واحذيتهم اللامعة، كان الصهيوني المفاوض يمارس طقسه التطهيري كحيوان جائع، يقضم الارض، ويفتك بالانسان الفلسطيني   الاعزل. ولكي تدلل سلطة رام الله على اخلاصها، وانها تضع كل بيضها في سلة الصهاينة الجدد، نازيين العصر راحت تسجن الاسرى المحررين من سجون الاحتلال، وتعذب النساء المقاومات، وتطارد الطلبة الجامعيين وائمة المساجد، حتى قال عباس قولته الشهيرة دون خجل «اذا رأيتم احدا يحمل السلاح فاقتلوه».
 
وهذا ما حدث فعلا فالامن الفلسطيني يسحب دورياته وافراده من تلاميذ دايتون امام جيش الاحتلال لاعتقال الثوار او قتلهم.. ولولا ان قيض الله لنا زعماء مسلمين كأردوغان واحمدي نجاد وتحديهم اسرائيل على مرمى حذاء من حدودنا مع «اسرائيل»، لكانت القضية نسياً منسياً خاصة بعد ان صارت المبادرات «انجيل العرب» المقدس، وصراطهم المستقيم الى جنة السلام العبرية. الاخطار الصهيونية المحدقة بنا لم تتوقف، وصناعة المؤامرات تعمل على مدار الساعة، وما سيجري تحت اعيننا بعد ايام في «تل ابيب» من مؤامرة/مؤتمر «الاردن هو فلسطين» الذي دعا اليه الاتحاد القومي اليهودي لا يقل خطورة عن جريمة سايكس بيكو.
 
هذا المؤتمر هو مشروع صهيوني يسعى لالغاء الدولة الاردنية، واحلال دولة فلسطين مكانها بعد ان فشلت حلول انشاء دولة فلسطينية على ارض فلسطين. وهو لا يجري في الخفاء بل في العلن وفي رابعة النهار، ومن توابعه الزلزالية التي هزت القمم العربية والعقلية العربية ذات التفكير الاحادي الغاء عملية السلام التي نذر العرب انفسهم لها. السؤال المقلق والمحير: لماذا هذا التجاهل اردنيا وعربيا ودوليا والصمت على هكذا مؤتمر؟! وتحديدا لماذا السكوت الاردني على النائب فيلدرز الذي ناصب الاسلام والمسلمين العداء بالأمس، وهو اليوم يتبنى فكرة «ان مجرد تغيير اسم الاردن الى فلسطين» يعتبر كافيا لحل الصراع العربي الصهيوني. الرد الاردني الباهت والضعيف يقابله صمت  فلسطيني مريب يستولد عشرات الاسئلة بلا اجوبة والزمن كفيل بالاجابة عليها.
 
في ضوء افتتاح مجلس النواب وبدء نشاطاته التي جاءت متزامنة مع المؤتمر الصهيوني يجب ان يكون على رأس اولوياته التصدي لهذا المشروع التآمري الاحلالي بكل الوسائل والمطالبة بالغاء المعاهدة الفضيحة/وادي عربة/وطرد السفير الاسرائيلي، وانزال العلم الاسرائيلي من سماء عمان العروبة والرجولة والكرامة ، وقطع كل   كل اشكال التعاون والتطبيع مع العدو الصهيوني. جدية هذا المشروع تكمن في مواقف نتنياهو الرافضة لرسم حدود الدولة العبرية او الدولة الفلسطينية حتى على الورق، ويترافق ذلك مع مشاريع اسرائيلية واضحة الدلالة بتهويد القدس والضفة الغربية التي لم يبق منها سوى ٢٢٪ اذ ان هناك مشروع قانون اسرائيلي لمنح القدس - كل القدس - صفة عاصمة الشعب اليهودي، مع مخططات انشاء سكة حديدية تربط المستوطنات، وتخترق الضفة الغربية . واذا كان شر البلية ما يضحك، فان شر الاقوال ما يدفع على الاقياء حين قال احمد الرويضي رئيس وحدة القدس في رئاسة عباس «على الفلسطينيين قيادة وشعبا عدم الاكتراث بهذه المقترحات» فاي سخافة واي فهاهة يقولها هذا الرويبضة. ونحن نعرف ان مفهوم الامن الاسرائيلي وصل الى كردستان في العراق والى منابع وادي النيل في اثيوبيا والحبشة وواصل سيره الى دارفور في جنوب السودان بعد ان دخل غرف نوم اللبنانيين، وقاسمهم مخادعهم الزوجية بالصوت والصورة جراء اختراق شبكات الاتصال الهاتفية والشبكة العنكبوتية.
 
نقول بصريح العبارة ان عباس لا يؤمن جانبه خاصة بعد خطابه التاريخي بمناسبة رحيل عرفات الذي اكد فيه ان الممانعة والمقاومة اكذوبة ومجرد شعارات للاستهلاك في المظاهرات والفضائيات. حيث وضع المذكور امنه وامن زمرته ومصالحهم ورواتبهم فوق كل اعتبار بما فيها المصالح الوطنية والقومية. تأسيسا على ما سلف، وفي ظل النوايا المبيتة ضد الاردن وشعبه، والغياب العربي والدولي وصمت السلطة الفلسطينية فالواجب والضرورة تقتضيان تعزيز الوحدة الوطنية، وبناء جبهة داخلية قوية عمادها التلاحم الوطني بكافة مكوناته واطيافه، والغاء التمايز بين المواطنين، واعطاء كل ذي حق حقه على اساس المواطنة لتمتين الولاء والانتماء، ومعالجة الافات التي تنخر المجتمع كالفقر والبطالة والفساد ثم توزيع الثروة بعدالة وفوق كل ما تقدم وعلى رأسها جميعا تطوير قدرات قواتنا المسلحة سياج الوطن ورمز عزته وفخاره ساعتها تسقط كل المؤامرات على صخرة التحدي الوطني، وتتطاير في الفضاء لتسقط على الأرض كشظايا الفخار كي يدوسها أطفال الأردن بنعالهم.. حمى الله الاردن واهله من مكر اليهود وعملائهم واعوانهم خاصة المفاوضين والمطبعين ومن على شاكلتهم.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

عدنان نزير ميرزا02-12-2010

انه بلاشك تحليل عميق يتناول مسالة مسكوت عنا من جميع الاطراف من استثناء ..الموضوع جرىء جدا جدا وتستحق العراب وسام الاقدام والشجاعة على هكذا موضوع واناشد العراب والعاملين فيها والقائمين عليها ان يظلوا على هذا النهجج المميز ي الوقت التي تنحدر فيه بعض المواقع والصحف الى الحضيض
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور01-12-2010

اخي ابو محمد احييك على هكذا مقال ...فعلا انها مؤامره .

 ليتهم توقفوا عند هندسة المفاوضات دون ان يمسوا مرجعيات في التنازلات , وكأن سراويلهم لا تطيق الاحزمه فعافتها , وهكذا قُطع عرق الحياء !

 المسؤولون من اليهود لا يجرؤ احدهم ان يتخذ قرارا صغر ام كبر قبل الرجوع الى ناسه
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

اردني01-12-2010

لايلام الذئب في عدوانه ان يكو الراعي عدو الغنمي فهذا دور سلطة رام الله وحسبنا الله ونعم الوكيل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.