فضائح بالمزاد

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2010-12-08
2491
فضائح بالمزاد
بسام الياسين

 

ما اجتمع الانبياء والعلماء والفلاسفة واساتذة علم النفس، وباحثو علوم الاجتماع والاخلاق والدين على الاشادة بفضيلة كفضيلة الصدق، ولم   يتفقوا على ذم رذيلة كالكذب. فالصدق مفتاح النجاح، وسبيل الاصلاح بينما الكذب يؤدي الى الجريمة، ويقود الى الخيانة، نهايته المحتومة، خزي في الدنيا وعذاب في الاخرة. من هنا اقترن الصدق بالنبوة /الصادق الامين/ والكذب بالكفر والفجور.

الكذاب لا يكون زعيما مخلصا لبلاده، ولا سياسيا ناجحا، ولا تاجرا امينا، ولا مسؤولا موثوقا، ولا زوجا فاضلا، والحقيقة التي لا تقبل القسمة على اثنين ان مشكلاتنا في الوطن العربي تنبع من نبع واحد، هو الكذب، وتصب في بحر واحد هو الخداع، فالزعيم يكذب على شعبه، والسياسي يكذب على اعضاء حزبه، والاب يكذب على اولاده، والنتيجة ان الكل يعيش في دوامة الكذب. الصدق ابو الفضائل، وتاجها، وعنوانها الذي لا يخطئه قاصدوه، فالتاجر الصادق كما جاء في الحديث الشريف «يُحشر مع الانبياء والصديقيين» وما ينطبق على التاجر قياسا على نظرية القياس ينطبق على القاضي والمحامي والصحفي والشرطي.. وغيرهم. ازمة العصر الحديث هي ازمة صدق، فالامم المتحدة تحولت الى منبر دولي للكذب ومجلس الشيوخ الامريكي صار مشيخة الكذب الاممي، والمجالس البلدية منابر لبيع الوهم وصرف الوعود الكاذبة، ومقار الاحزاب منصات لاطلاق الخطابات النارية المحمولة على رؤوس من الدجل. 
فانهارت جسور الثقة، واصبح لا احد يثق باحد،   ولم يقتصر الكذب على الافراد، فالدول الكبيرة تكذب، والدول الصغيرة تكذب حتى اصبح الكذب النشيد الصباحي للدول، والوجبة الرئيسية للناس الا من عصم ربي. واذا كان الصدق مفتاح ابواب الخير كافة، فان الكذب مفتاح الرذائل كلها، حيث قال الصادق المصدوق: «كبُرت خيانة ان تحدت اخاك حديثا هولك مصدق، وانت له كاذب». كما ان آية المنافق ثلاث طالعها «اذا حدث كذب». وسُئل الرسول «ص»: «أيكون المؤمن كذا وكذا.. قال نعم قيل يا رسول الله: افيكون كذابا قال: لا».
بعض الناس يظن ان الامانة تنحصر في رد المال الى اصحابه لكن الواقع ان الامانة اشمل واعم وهي اعلى درجات الصدق والصدقية، فالعقل وتوجيهاته امانة، واللسان وما ينطق امانة، والوظيفة امانة، وحقوق الشعب عند المسؤولين امانة، والمال العام امانة، والممتلكات العامة امانة، وتطبيق القانون ومعاملة الناس سواسية امانة: «انما هلك الذين من قبلكم انهم كانوا، اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد.» اللافت هذه الايام ان كثيرا من العلماء تخلوا عن امانة علمهم، وتخلت النخبة عن امانتها المالية، واهمل المسؤولون تطبيق القانون، وتلاعبوا بالدستور كما تم تعطيل القانون والدستور احيانا، وخان بعض الصحافيين امانة حمل اقلامهم، وتهاون النواب في امانة مراقبة الحكومة وصدقية سن القوانين. الفضيحة المزدوجة اننا اخذنا نتكلم بلسانين، وننطق بلغتين، ونزدوج في شخصيتين واحدة امام الناس، نرتدي بها افضل الفضائل واغلى الثياب، ونتعطر لها باثمن العطور، فيما نتعرى في الدهاليز السرية، ولا نخجل من كشف عوراتنا امام حلفائنا الخصوم، وخصومنا الحلفاء. جاءت رواية ويكليليكس الطويلة الشيقة الشاقة لتقطع انفاس الكاذبين، وتقض مضاجعهم، وترفع درجات حرارتهم، وتنضح اجسادهم بعرق مالح اشد ملوحة من افتراءاتهم على شعوبهم. 
وفي ظني لم يفلح الشامتون في وصف فضيحة العصر بانها اعصار تسونامي جديد، وزلزال ذو قوة تدميرية اعلى من زلزال الحادي عشر من سبتمبر «ايلول» الذي دك قلب الولايات المتحدة واحرق كبدها فيما اطلقت عليه الاجهزة الاستخبارية وليمة الاسرار الدسمة، ومنجم المعلومات الثمينة، واميل شخصيا لوصفها بانها اعظم جهاز للكشف عن الكذب في مختبر السياسة العربية عبر التاريخ. الهزلي في الموضوع ان السياسة العربية، ودبلوماسيتها الزئبقية التي لا يضبطها ضابط، ادهشت الاوروبيين، وحيرت الامريكيين، واقلقت الروس، وازعجت الصينيين، واربكت اليابانيين لكنها وجاءت بردا وسلاما على قلب نتنياهو فاطلق قولته المشهورة بمنتهى السعادة «ان تسريبات ويكليكليس كشفت ان قادة المنطقة «العرب» يتفقون مع مواقف اسرائيل سرا، ويعارضونها في العلن امام شعوبهم ثم حاول زعزعة العقيدة الراسخة لدى الامة بان الصراع العربي الصهيوني واحتلال الارض ليس هو مشكلة الشرق الاوسط بل ان ايران النووية هي مشكلة العرب الاولى والاخيرة، وحاول هذا القاتل اثبات ان اسرائيل اكثر براءة من الذئب «المسكين» الذي حَمّله اخوة يوسف دم اخيهم زورا وبهتانا.
اسرائيل ايضا تحاول منح شهادة الجودة لبضاعتها في المحافل وتجزم ان ما يدور بين الزعماء العرب وقادة البيت الابيض وقصر الاليزية، و «١ »   دواننغ ستيريت في لندن حول المستوطنات وانشاء دولة فلسطينية وعودة اللاجئين ليست ذات اهمية او اولوية عندهم بل الخطورة في تصورهم تكمن في ايران وقنابلها وتهديدها لدول الخليج. وتحضرني في هذه العجالة قصة مسؤول عربي من طويلي العمر - اطال الله في عمره-   ممن نستسقي بهم المطر من السماء، ونفجر بدعائهم وبركتهم ينابيع الارض، زار الولايات المتحدة قبل عقدين رافقته آنذاك زفة اعلامية عنوانها «القضية الفلسطينية» وخلال زيارته التاريخية لم تتوقف ماكينة بلاده الاعلامية عن تعداد مناقبه، واسباغ الاهمية على لقاءاته، وتعظيم انجازاته في بلاد العم سام.
المفاجأة كانت في نهاية الزيارة ان اوردت   بعض الصحف المغمورة ان - النفطي - سيعود الى بلاده، بعد ان نجحت عملية استئصال غدة البروستات، وشفائه من التقرحات والتهتكات بالمستقيم وقد استقامت مدخلاته ومخرجاته عادت طبيعية. حيث باستطاعته ممارسة نشاطاته المعتادة كافضل ما يكون. وقس على ذلك مئات بل الاف الحوادث التي تكشف الاعيب العرب، وازدواجية سلوكياتهم.
جوليان اسانغ مالك موقع ويكيليكس لَقّن العالم درسا قاسيا في فن التعامل والاخلاق وكشف لرجل الشارع العربي البسيط المطحون افعال الكبار وخفاياهم، وهمساتهم من حيث لا يدرون، وستكشف ذات الوثائق في قابل الايام ارصدة العربان الخرافية في بنوك الطليان والانجليز والامريكان، وحجم العمولات والرشى في صفقات السلاح في ظل غياب الشعوب والبرلمانات عن محاسبة هؤلاء بتهم فضائح بالجملة. ما يهمنا كأردنيين، هو دور السفارة الامريكية بعمان حسب ما نشره موقع ويكيليكس بانها تلعب دورا استخباريا كبيرا في الاردن مما دفع الخارجية الامريكية لتكليف ادوارد غنيم سفيرها السابق بتمييع ما جاء في الوثائق والتقليل من اهميتها،   ونرد على غنيم ان السفارة الامريكية بعمان ليست فرعا من تكية ام علي لتقديم الطعام ولحم الاضاحي للجياع في منطقة «عابدون» ودير غبار كما انها ليست جمعية خيرية لتعليم الصم والبكم لغة الاشارة وتدريب العميان على القراءة والكتابة باللمس على طريقة «بريل» بل هي سفارة فاعلة وعاملة على مدار الساعة وتلعب دورا مركزيا وخطيرا في المنطقة. وبكل ادب نقول للمستر ادوارد بما ان «بيننا وبينك» خبز وملح «نرجوك عدم الاستخفاف بعقولنا خاصة بعد ان «فَخَتَ» جوليان غشاء دبلوماسيتكم   واسال دمها على مرآى من العالم بفحولة عز نظيرها في عالم الصحافة وان محاولة ترقيع بكارتها بواسطة غشاء مطاطي صناعة صينية لن يعيد الامور الى سابق عذريتها، فالمراهق عندنا يستطيع التمييز بين الاصباغ الحمراء ودم النساء العذراوات والتفريق بين الغشاء الصيني والرباني.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

عدنان18-12-2010

الله يفرجها
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ويكيليكس عربي09-12-2010

ما نحن بحاجة اليه هو " ويكيليكس عربي " لكشف الكم الهائل من الفضائح العربية المخبوءة , ان نظرة واحدة لتسريبات ويكليكس المتعلقة بالشأن العربي تكشف بكل وضوح الاستخفاف الامريكي المتحالف مع الانظمة العربية بعقلية الانسان العربي . شكرا للعراب و للكاتب
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور08-12-2010

 (يحشر التاجر الصادق مع الانبياء والصديقين) اختار الرسول "ص" التاجر لان التجارة غالبا ما تدفع بصاحبها الى الطمع وقد تصل به الى الكذب والبعد عن التقوى , كما قال تعالى "واعلموا انما اموالكم واولادكم فتنة..." .لله درك يا ابا الدرداء الذي بعد ان اسلم وثبت قلبه على الايمان , عاف التجا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

الفقير08-12-2010

اخي ايا محمد ان ماجاء في الوثائق هو غيض من فيض الا ان المستفيد الاول من ذلك هم من قاموا بتسريبها وقاموا بعدم نشر اية وثيقه تتعلق بجرائمهم وعدوانهم وحسبنا الله ونعم الوكيل
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.