قوى الشد العكسي وإرهاصات المصالحة الفلسطينية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-02-14
1449
قوى الشد العكسي وإرهاصات المصالحة الفلسطينية
عريب الرنتاوي

الحوار الوطني الفلسطيني بدأ بالفعل في القاهرة ، وفقا لما قاله عزام الأحمد رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي ، حيث تزامنت لقاءات وفود رفيعة من حركتي فتح وحماس ، وآخرها اجتماعات قريع - أبو مرزوق ، مع قيام مصر بنشر وثيقة مبادئ للحوار ، تختلف في بعض جوانبها - الجوهرية - عن الورقة المصرية التي وزعت أواخر العام الفائت ، والتي تميّزت بالانحياز لصالح فتح على حساب حماس.

 كان بالإمكان توفير الكثير من الجهد والمعاناة ، الدم والدموع والعرق...كان بالإمكان قطع الطريق على حرب إسرائيل المجنونة وتفادي وقوع عشرات ألوف الضحايا من الشهداء والجرحى والأسرى والمشردين ، لو أن "الوسيط المصري النزيه" تصرف بحيادية أعلى ونزاهة أكبر في جهود المصالحة الفلسطينية ، ولم يتخذ من "وساطته" وسيلة لتصفية حساب مع حماس ، وأداة لتخويف "الداخل الإخواني وإحراجه".
 
نقول ذلك وفي أذهاننا جملة من الحسابات والاعتبارات والفرضيات نوجزها فيما يلي:
 
أولا: لو أن المصالحة الفلسطينية انجزت "في حينه" لأمكن تجديد اتفاق التهدئة ، ولأمكن توفير حلول لمشكلة المعابر - رفح تحديدا - ولأمكن تشكيل حكومة وفاق - ترفع الحصار - ولكان بالإمكان تفادي ما حصل في الفترة ما بين السابع والعشرين من كانون الأول الفائت ، وحتى التاسع عشر منه ، ونقول "بالإمكان وليس بالحتم" لأننا نعرف أن لإسرائيل أجندتها الخاصة بحماس والقطاع والمقاومة والفلسطينيين عموما.
 
ثانيا: نحن لا نتهم مصر ولا نحمّلها مسؤولية ما حصل وبأثر رجعي ، ولكننا نسوق هذه الملاحظة متطلعين إلى المستقبل ، آملين أن تنتهي التدخلات الضارة والرهانات ضيقة الأفق لدول الاعتدال العربي بانحيازاتها المعروفة لصالح فريق على حساب آخر ، والتي لا تقل خطورة في كثير من الأحيان عن تدخلات محور الممانعة ، إن لم تك أشد خطورة وفاعلية ومضاء.
 
ثالثا: لأول مرة منذ الانقسام الفلسطيني ، تلوح في الأفق إرهصات فرصة جدية للمصالحة ، ونقول إرهاصات لأن الطريق إلى المصالحة طويل ووعر وشائك ، وقد يكون مغلقا في نهايته...والسبب أن "الوسيط المصري النزيه" قرر على ما يبدو الانتقال خطوة إلى منتصف المسافة بين فتح وحماس ، وتقدم بورقة تأخذ بعين الاعتبار المطالب الأساسية لكلا الفريقين ، ولا تتنكر لمطالب فريق وتعلي من شأن مطالب الفريق الآخر.
 
رابعا: أن للفرصة القائمة للمصالحة أسبابها الأخرى العميقة منها على سبيل المثال لا الحصر:
 
(1) سقوط مخططات إسقاط حماس بالقوة ، والقوة هنا لا تقتصر على الانقلابات الدحلانية المضمرة ، بل وتشتمل على القوة الإسرائيلية الغاشمة التي عجزت آلة حربها عن إسقاط حكم حماس وتصفية قادتها وأذرعتها وكتائبها وبناها التحتية ، الأمر الذي أجبر المراهنين على "خيار القوة" مع حماس لمراجعة خياراتهم.
 
(2) خروج حماس من حرب غزة أكثر قوة ونفوذا وشعبية ، مقابل خسارة فتح والسلطة والمنظمة ورموزها.
 
(3) إدراك حماس حاجتها السياسية للمنظمة والسلطة وفتح ، فمن دون تعاون وتوافق بالحد الأدني ، ستظل مطالب رفع الحصار وفتح المعابر مجرد صيحات في واد عميق ، والمسألة هنا لا علاقة لها بالصمود والنصر وأوزان القوى وموازينها ، المسألة مرتبطة بقرار دولي إقليمي مستمسك بتيار الاعتدال الفلسطيني ايا كان حجمه ومهما بلغ تهافته.
 
(4) نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي انتهت بفوز "مظفّر" لليمين الإسرائيلي ، الأمر الذي وضع معسكر الاعتدال الفلسطيني في زاوية ضيقة زادته حرجا على حرج.
 
(5) بروز مؤشرات دولية على قرب خروج حماس من شرنقة الحصار الدولي ، وبداية الانفتاح على الحركة والقبول بمشاركتها في حكومة وحدة وطنية.
 
الخلاصة ، أننا أمام انفراجة جديدة في المشهد الفلسطيني ، لم تصل بعد ضفاف الأمان ، وقد لا تكون نهاية المطاف ، ذلك أن احتمالات النكسة والانتكاس ما زالت قائمة.
 
المطلوب الآن ، أن تتجه جهود مختلف الأطراف لبناء ثقة المتبادلة ، بدءا بوقف الاعتقالات والتصفيات ، مرورا بالإفراج عن السجناء والمعتقلين وإعادة فتح المؤسسات والجمعيات ، ثم التوجه لحوار جاد ، ينتهي بحكومة توافق تنهي الحصار وتفتح المعابر وتجري الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد سنة من الآن وتشرع في ملف إعادة الإعمار في غزة ، فهذا الملف دام ونازف ولا يحتمل التأجيل والمماطلة.
 
مطلوب توافق فلسطيني على برنامج وطني جديد يجمع بين التفاوض والمقاومة ، ويضع مرجيعات وشروط للعمليتين التفاوضية والمقاومة ، ويؤسس لنظام فلسطين جديد ليس فيه مربعات مغلقة على أحد أو في وجه أحد ، نظام يعيد بناء السلطة ويحدد "تفوضيها" ويعيد بناء المرجعية الموحدة للشعب الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية تمثيلية ، تتخلص بنتيجته منظمة التحرير من المومياوات والعوالق والطفيليات وقوى الشد العكسي التي أصابها الذعر في الأيام الأخيرة حين لاحت في الأفق بواد مصالحة فلسطينية ، فأخذت - وأكثر رموزها تطرفا ليسوا من فتح بالمناسبة - بفتح ملف "جرائم حماس ضد فتح في غزة" في الوقت الذي كانت فيه قيادات فتح الأصيلة تلتقي مع قيادات حماس في القاهرة ، لكأن هؤلاء الذين اختطفوا منظمة التحرير يريدون اختطاف فتح هذه المرة ، وهم بحربهم الاستباقية على حوارات القاهرة ، يحاولون وضع الكلام في أفواه قيادات فتح وقطع الطريق على مهمتهم في القاهرة.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.