خذوا الاسطوانة..وأعيدوا لنا الدولة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-01-05
1509
خذوا الاسطوانة..وأعيدوا لنا الدولة
بسام الياسين

الهراوة تفض المشاجرة ولا تحل المشكلة، تماما كالمساعدات الخارجية تسد عجز الموازنة لكنها لا تبني وطنا. فالعلاج بالتسكيت والتسكين يصلح للحلول الانية، كالقوانين المؤقتة لكنه ليس الحل.

 في علم الامراض يلجأ الطبيب للتخدير للولوج إلى لب المشكلة من اجل التدخل الجراحي لتخليص المريض من المرض والعرض معا. ما يدعو للرثاء ان السياسات الحكومية وبرامجها لم تزل علاجات تسكيتية تسكينية.
 
نظرة فاحصة للحكومات وبرامجها منذ عام ١٩٨٥ من القرن الماضي اي منذ ربع قرن، اثبتت فشلها بالمطلق، وها هي نتائجها المدمرة نعيشها ونتعايش معها بالقوة الجبرية، والقدرية الحكومية. وما زاد المعاناة معاناة، وشكل صدمة افقدت المواطن توازنة تلك النقلة المفاجأة من دولة رعوية تحتضن المواطن من المهد الى اللحد، وتتعهده عملا ودعما ورفاهية الى دولة جباية ترفع شعار جيوب المواطنين خزينة الدولة، وترفع يدها عنه، وتتنصل من كل شيء، تماما كصاحب المستشفى الذي يرفع الاجهزة عن المريض.. الاوكسجين، الجلوكوز، الدم، .. !! بحجة ضعف الامكانيات فترشيد الانفاق عنده اهم من حياة المواطن. 
 
هذه الانعطافة الحادة ادت الى تحطيم كل الاواني الزجاجية في مطبخ المواطن، وتعاملت معه في عدد من القضايا كالتأمين الصحي والتعليم الجامعي والضمان الاجتماعي وغيرها باسلوب فيه انتقاص لكرامته يقابل ذلك الانفاق الكبير والبذخ والاسراف في المزايا والعطايا للنخبة وكبار المسؤولين والوزراء وذوي المناصب الحساسة. من ينكر ذلك فهو آثم وكذاب.
 
الحكومة اعلنت عن فرحها الكبير في تراجع المديونية بضعة ملايين. ولم تعلم الانعكاسات الاجتماعية والنفسية والمزاجية على المواطن المغلوب على امره. ففي الوقت الذي يلسع الوضع الاقتصادي روح المواطن، ويحرق كبده، ويقطع انفاسه، وتملأ المرارة حلقه يقابله تبذير واسراف وافراط وتفريط، لا تدري الحكومة بان المواطن يدري بكل صغيرة مهما دق صغرها في زمن انتهى فيه التعتيم. فطالما هناك مواقع الكترونية وهواتف خلوية فلا مكان للجلسات المغلقة، والصفقات السرية، فالكل في دائرة الضوء. والجميع مكشوف للعامة.
 
المواقع والهواتف الخلوية والتسريبات على الشبكة العنكبوتية كشفت السياسات الخاطئة. وادت الى تدهور سمعة الحكومات، وتآكل مكانة الدولة بالصوت والصورة. وبالرغم من هذه المشكلات الطاحنة فان الحكومات تتعامل بعقلية رجعية، وذهنية فوقية، معتمدة الاسلوب التخديري حيناً واحيانا اخرى الاسلوب القمعي والاسوأ منهما استغباء المواطن.
 
نظرة متفحصة موجزة، وقرآءة باسلوب البرقية نكتشف السقوط الوطني، والاعتلال العقلي، والانحلال الاخلاقي، والخواء النفسي، والشعور بالفراغ المعرفي والثقافي، والاستهتار بالقيم، والعداء للدولة وممتلكاتها، والانقلاب الى الضد، والرجوع من الالفية الثالثة الى جاهلية البدائية الاولى وتوحشها.
 
هذه السلبيات المميتة زلزلت المجتمع واطاحت بتوازناته، وخلخلت كيمياءه بلغت ذروة مظاهره في الانكفاء على الذات، والهروب للعشيرة والدعس على القوانين الاجتماعية، والتقاليد والاعراف المجتمعية في لعبة تدميرية للوطن والذات، وهذا ما يعرف في علم النفس والاجتماع بالانتحار الجمعي وهو اخطر مراحل اختلال الذات الجمعية والفردية على السواء وتالياً ابرز مظاهر الاختلالات والامراض.
 
قتال بالسلاح الابيض والجنازير والعصي في دور العلم وعلى رأسها جامعات: الاردنية، الهاشمية، اليرموك، ومناصبة المؤسسات التعليمية العداء، واللافت انه بينما كانت الميليشيات الطلابية المنفلتة تستبيح منارات العلم، كان في خارج اسوارها غرف للعمليات الحربية وقادة يديرون المعارك بالخلويات، ومُنظَّرين يشرفون على ادارة الصراع،   عراك دائم في مجمع السفريات، وقتل على الشبهة باسم الشرف.
 
اشتباكات مسلحة حتى الفجر اثناء الانتخابات، واغلاق طرق، واحراق غابات، واشعال اطارات بسبب هزيمة مرشح امي، يعقبها عنف برلماني وتراشق بالكاسات، وشتائم وملاسنات. اعتداء على الاطباء والممرضين   والممرضات    وطعنات طالت المعلمين والمعلمات، وسرقة ادوية المستشفيات، وحرب ضروس على خطوط النقل بين سائقي الحافلات، ومطاردات بين افراد العصابات، وسقوط قتلى وجرحى على اثرها بين «اولاد الداية، واولاد الشامية»، وتحطيب يومي للغابات، واغذية فاسدة بالاطنان. في كل مكان، وارتفاع شهري وجنوني للمحروقات يلازمه ارتفاع في اجور المواصلات، ضمور في الحريات، وتهديد دائم بفرم اصابع الصحافة والصحافيين الملتزمين بحب وطنهم وانتهاج التنوير ديدنا لهم، اختلاسات بالملايين في المؤسسات ورشى تتبعها رشوات، سرقات يومية لنحاس الكابلات، وشركات لا تدفع الضرائب، ولا اثمان المياه والمستحقات، تأجير اراضي الدولة بالفلسات، واقتطاع للمحاسيب الوف الدونمات، الاعتداء على الاراضي الحرجية والاميرية،   وترهل وفساد   وتشوهات، واكتشاف على مدار الساعة عن افراد العصابات، سطو مسلح في وضح النهار ونهب واحتيال، واغتصاب، سرقة اموال الزكاة، وهجوم كاسح على القاصات، وتلاعب بالرغيف والطحين المدعوم ولقمة الفقراء. قوانين مؤقتة بالشوالات، وتعديل على التعديل، ومجاميع فوق القانون، واغلبية صامتة تحت الهروات، مجازر بشرية دامية تحت ازيز العجلات، وبروز ظاهرة جديدة مستحدثة في سرقة قطعان الاغنام والابقار واموال الايتام، واعمال شغب في مراكز رعاية الفتيات القاصرات الايتام، وفتيات ينتحرن بالادوية السامة واخريات بالمبيدات الحشرية، وشباب يقفزون من الشرفات للتخلص من الحياة وخنازير   اليهود تعبث بالمزروعات، حرائق تتلوها حرائق ، وسرقة مركبات بالعشرات وانتحال صفة رجال امن وخطف حقائب السائحات، وتشليح المساكين العمال من الوافدين مدخراتهم القليلة. تزوير في الشهادات العلمية والهويات الوطنية، وهدر في الموارد والهيئات المستقلة، وسوء في الانفاق والتعيينات، وتعثر في الاصلاحات، وتفصيل وظائف ورواتب لاولاد الذوات.
 
وتغول للحكومة على القوانين وفشلها في مكافحة البطالة والفقر والفساد وتعديل قانون الانتخاب للاسوأ وفشل عمليات الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاداري. طلاق لا رجعة فيه بين السلوك والاخلاق، لقطاء احياء في الحاويات وحفلات شذوذ محروسة بشركات امنية في صالات الفنادق الفخمة، ومشاجرات لاتفه الاسباب، وزيادة في منسوب الفساد والافساد والواسطة والمحسوبيات، قتال بسبب نظرة عابرة ومسدسات، واستنهاض للغرائز وانتشار مرعب للمخدرات. تعاطي للممنوعات في حمامات الجامعات، واسكان الطلبة والطالبات، ومواجهة دامية بين الهويات في المباريات، وشعارات تافهة في الملاعب وبذاءات يبدع فيها شعراء المواخير والبارات، وقمع بالعصي والهراوات امام الكاميرات، واصطفافات جهوية وفئوية وعنصرية وعشائرية وجغرافية، وممارسات خاطئة في المعاملات وتمييز في الدوائر والمؤسسات.
 
ملثمون ينتشرون في حرم الجامعات.. ملثم طالب يعتدي على طالبة حامل، وملثم اخر يحاول سرقة صندوق الاقتراع. تنام مفزع للهويات الثانوية، وتدمير ممنهج للقيم النبيلة والموروثات الاجتماعية، سياسات افقارية للعباد وتجميل للقبح، وتزيين للبشاعة ومكياج للوقاحة، وحبال للغسيل تتكفل بانهاء حياة المسنين، ورصاصات تنهي حياة صبايا من ذوات العشرين. وصحافة ذات اصوات عالية وآذان للمسؤولين صماء. عام مضى ودعه العالم بالاضواء وقرع الكؤوس، والرقص على انغام الموسيقى، وتناول اطيب المأكولات،   ونحن ودعنا عامنا المنصرم بعدد من المشاجرات والانتحار والقتل.. هذا ما نمارسه من افعال خاطئة، وسلوكيات مشينة تتخطى حدود الجهل لتدخل دائرة الخيانة الكبرى للنفس الانسانية التي كَرمّها الله وجعل صاحبها خليفته على الارض، وترتقي الى مصاف الجريمة بحق الوطن..  هذا ما يمارسه بعضهم في اعتداء صارخ على كل المحرمات يقابله في الضفة الاخرى من ممارسات حكومية لا تمت الى الحلول الناجعة بصلة او ببصلة حيث اخفقت تلك البرامج في وضع حل ناجع لاي مشكلة مهما كانت صغيرة.. فمشكلاتنا لم تزل هي هي لكن من باب الانصاف لنعترف للحكومات بان الثابت الوحيد عندها هو ثبات الغاز، بذلك تستحق هذه الحكومة وسابقاتها لقب حكومات الانجازات الكبيرة والغازات الرخيصة!!.
 
بعد كل هذه السلوكيات الممجوجة المشينة التي تنتمي للعالم السفلي ألسنا بحاجة الى مسحوق لتبييض الوجوه، وماء نظيف لغسيل السمعة، ونار حامية لكي الاخلاق المجعلكة؟ وقبلها وبعدها اناشدكم الله ان تأخذوا الاسطوانة بما فيها من غازات وتعيدوا لنا الدولة!!

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابن جرش10-01-2011

سيدي ابن الوطن ابو محمد ، أتصور بان كتاباتك تستند بها الى خبرات طفولتك الجرشية الاصيلة الذي مضى عليها ما يقارب الستون عام عندما كان المواطن الاردني فقيرا ام غنيا يعيش بسعادة ورفاهية على السواء بعيدا عن الفردية والقرارات التدميرية برفع الاسعار وحبس الانفاس وضيق الارواح وان
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

م . رأفت حتاملة06-01-2011

بسم الله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله محمد بن عبدالله وبعد اتوجه من قلبي بالتحية الى العراب الموقع الملتزم والمميز على هذه المكاشفة الجريئة والطروحات الوطنية الامينة لمصلحة الوطن والامةوالموطن فما يجري هو استهتار بالقيم الوطنية والانسانية والاخلاقية وللعودة الى ماك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابن الاردن05-01-2011

لازود عليك يا باشا ، دائما السباق في كشف الحقائق ، ولكن أصر على اعادة دولتنا بكل ما تحمل من معنى تلك الدولة التي كانت حلم لكل مواطن عربي بان تكون وطنه وان يكون هذا الشعب شعبه بالاضافة الى اسطوانة الغاز ، وندعوا الله ان يهدي من كان سبب ذلك لا ندعوا عليه حتى لا تزيد مآسينا .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور05-01-2011

 نعم ان سياسات وبرامج الحكومة ما تزال تسكينية –قوت ولا تموت- فقط . ما نفع ان تعشيني مرة واحده حوتا ولا تعلمني صيد السمك ؟ هذه اشبه بمن يقسم دينارا على مئة جائع وبذلك لا يشبع بطنا واحدة .المنح والاعطيات الصغيرة –كالعيدية- لا جدوى منها كالبنج الموضعي .الاجدى ان تحول مثل هذه الم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

الفقير05-01-2011

اخي الكاتب شكرا على هذا المقال لانه يلخص واقع الحال الذي يعشه المواطن في هذه الايام ولكن ليس كل مواطن فهناك من الموطنين الذين لايحتاجون الى اصطوانة الغاز فهم متخمون في جميع ملذات الحياه ولايعانون مايعنيه الموطن العادي
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.