انسانية ابليس وشيطانية الانظمة!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-02-02
1600
انسانية ابليس وشيطانية الانظمة!!
بسام الياسين

«اتى امر الله فلا تستجعلوه» صدق الله العظيم   

 مواجهات شعبية عنيفة في الشوارع العربية، من محيطه الى خليجه، لا شيء يعلو صوت الثورة على الظلم والفقر والقهر، فالحياة وقفة عز ولا يخاف من الشعوب الا من يغشها. دماء زكية على الارصفة، ورصاص حي ومطاطي يتشكل اوسمة على الصدور العارية، نيران تضيء عتمة الليالي السوداء. صرخات تطاول عنان السماء، تنادي بالمساواة والكرامة وكسر القيود، وكنس الطغمة الفاسدة وحواشيها وحاشيتها، ومحاكمة النُخب المرتزقة، واعادة الثروة والسلطة المسروقة الى الشعوب اصحابها الشرعيين.
 
فتيان الانتفاضة والحجارة يحتلون الشوارع بينما جنرالات الاوسمة والعجرفة والمكابرة يلوذون بالزوايا، ويخلعون بزاتهم. هؤلاء هم المهمشون المطحونون واولاد الحاويات، خرج الواحد منهم ليرد الاعتبار لذاته، وينتفض على الظلم، وينفض عن جسده المنهك مهانة ايام الجوع والبرد والتشرد، ويرفع اللاء الكبيرة - لا ظلم بعد اليوم - «يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما فلا تظالموا».. انه يوم الحساب العسير، والبحث عن الذات المفقودة والمطالبة بالحقوق المسلوبة.. الحرية العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة كالبشر لا كالحيوانات. انها انتفاضة المواطن العربي لتحقيق المستحيل، ومطاردته، والامساك به من قرونه، فقد تجاوز الممكن بعد ان فاحت رائحة ثورة الياسمين، وملأت الاجواء العربية.. فلا صمت على الفساد المؤسسي حيث صار فيها الفساد الرسمي هو الاصل والاستقامة هي الاستثناء. في انظمة هُزمت في الحرب وفشلت في التنمية وسقطت في المفاوضات وزورت الانتخابات ورزحت تحت مديونيات خرافية.
 
فقر وبطالة، وازمات، سكن ومواصلات وتعليم وصحة، فساد ورشوة ونهب للثروة، تسلط واستغلال واستبداد في السلطة، وتمييز وتمايز بين الناس، وحقوق منقوصة ومسلوبة للبعض الاخر، وقلة من العائلات تحتكر الوظائف العليا والمال والقرار وبطانة فاسدة تستثمر المناصب في التجارة وتستثمر التجارة في عطاءات الحكومة.
 
الخوف الذي نشرته الاجهزة القمعية على مدى عقود في الشارع العربي، يلفظ انفاسه، ويدوسه الشباب بنعالهم، ويحرقونه بنار غضبهم التي لا تنطفئ حتى يحققوا احلامهم وامانيهم المسروقة في مواجهة مع انظمة مأزومة ومهزومة يقودها ازلام تكرشوا حتى فقدوا القدرة على الحركة والنطق، في ظل قصور اعلامي كارثي فقد مهارة الاتصال والتواصل مع الناس لان القائمين عليه لا يتقنون الا درسا واحدا هو النفاق المستدام، وحاضر سيدي، وكله تمام.
 
قبل ايام اكتشف الطب جيناً خبيثاً، يدمر خلايا الجسد، كما اكتشف الشارع العربي هذا الجين الخبيث في مجموعة من المسؤولين تحيط بالحاكم بامره يأكلون مثل جراد لايشبع، ويتلصقون بجسد الشعب كـ «قرادة» تمتص دمه، وتفسد حياته. نُخب كريهة، وشخصيات نهمة جرى استنباتها في مشاتل حكومية وجامعات اجنبية ودوائر مشبوهة، تُسقى بمياه عادمة، وتغذى باسمدة مسمومة، حرصت على تزوير الارادة الشعبية، وزرع المسامير امام دواليب الاصلاح، والقيام بعملية الشد العكسي في مواجهة اي محاولة للتقدم، فيما تجري سنويا لوجوهها عمليات شد تجميلية في دوائر C.I.A الامريكية لتحافظ على شبابها، وتدعي ان الشعب لم يبلغ مرحلة النضج السياسي من خلال اللغو الانشائي، والتلاعب اللفظي.
 
هؤلاء المعاقون المعوقون، ناثرو بذور الخوف، وحائكو المؤامرات، وزارعو الخيبات، وصانعو ارقام التنمية المغشوشة، وراسمو سياسات الافلاس والافقار والمديونية، لم يخطر بذهنهم يوما وهم يستهبلون الجميع، ان العقل الجمعي للمجتمع هو عقل حدسي، يكشف بفراسته النورانية واستبصاره للمستقبل ان يوم حشرهم في «القفص» آت لا ريب فيه، وهذه حقيقة عملية وتاريخية لا تخطئ، فكيف تكون دولة مفلسة وعاجزة ومدينة وتجارتها راكدة، ومشاريعها خاسرة، وتجارها مهددون بالافلاس فيما المتنفذين وكبار المسؤولين ممن لم يدقوا مسمارا ولم يرفعوا مدماكا ولم ينضحوا حبة عرق هم اصحاب الملايين وارصدتهم تضاهي ارصدة النفطيين. وان تحويلهم لدائرة الفساد لا يحتاج الى معجزة، ولا استدعاء علماء الحساب والفلك والتحليل العلمي نقول بصراحة: انهم واحد من اثنين اما انهم يحتفظون في بيوتهم بمطابع للعملة وهذه جريمة اقتصادية كبرى وهذا امر مستبعد وبعيد الاحتمال واما انهم سراق وحرامية محترفون نهبوا خيرات البلاد والعباد وتلك جريمة اكبر ويجب ان يقدموا للمحاكمة فورا.
 
ما يبعث على الغثيان في النفس، والقشعريرة في البدن اننا اكتشفنا، ان هؤلاء الشخصيات من اسوأ الانماط المصنفة في علم النفس سلوكا وتاريخا، وان حوارا قصيرا معهم يفضح خوائهم الفكري والثقافي تراهم يتفلسفون بما لا يعرفون، ويفتون بما لا يفقهون، وان احاديثهم كمن يمضغ لحم بعير طاعن في الشيخوخة دون اسنان. اليوم، في العالم العربي سقطت كل الاقنعة المستعارة، وانكشف المستور، ونبشت الوثائق المخبوءة في بطون الخزائن الفولاذية، حيث تعرت هذه النُخب/ العائلات، واصبحت ورقة محروقة ينظر اليها المواطنون باشمئزاز، وصار الاباء يحذرون منها اولادهم لانها كمصائد المغفلين، والعاب الاطفال المحشوة بالديناميت.. لذلك على هذه النخب/العائلات ان تقلع خيامها وترحل، وان تنزل من فوق ظهور عباد الله الغلابا، وان لم تفعل فالمد الشعبي الهادر سيجرفها ويحملها كغثاء السيل ليكبها بعيدا خاصة بعد ارتفاع منسوب الكراهية لدى الناس، وانهدام حاجز الخوف من ذوي الاسبقيات في الفساد الاداري والمالي والسياسي والهروات الغليظة.
 
العنفوان الشعبي المتنامي في الوطن العربي من الماء للماء ومن الصحراء للصحراء يعمل بنشاط نحلة، ودأب نملة، وشراسة ذئب جريح يجأر بالشوارع لينتقم ممن افسدوا حياته وخربوا منظومة العدالة الاجتماعية وانتهجوا السفالة والرذالة بدلا من الشفافية والاستقامة.
 
ان الحكومة/الحكومات باعلامها المرعوب، وانغلاقها على ذاتها، وتقوقعها حول سياسات بالية عقيمة، دأبت على تفجير قنابل تعمية، وطلقات تشويش على طريقة الخمسينيات والستينيات في ظل المحطة الوحيدة والصحيفة الوحيدة والتلفزيون الواحد واعلام يدار بعقلية الرجل الواحد، والابتعاد عن معالجة الخلل على طريقة «كله عال العال» ومواجهة ثقافة الحوار بثقافة الاقصاء وانتهاج اساليب التعتيم والتضليل والتطبيل، كل ذلك سقط بالضربة القاضية بعد تسريبات وثائق ويكيليكس التي رفعت الغطاء عن عورات نوادي الفساد في العالم كله وكان للعربان فيها نصيب الاسد.
 
هذه نخب شاخت، وعائلات تربت على الفساد واستعباد الناس، وجرثمت شعوبها بالرشى والمجون واعتبرت اموال الامة كَرْماً بلا سياج واخذت كل شيء ولا يحصل الاخرون الا ما يتجشأ به اهل النعمة من مكرمات على العبيد والاقنان، رغم ان احدا منهم لم يدخل مختبرا اجتماعيا، ولم يجلس في مقهى شعبي ليتحسس مشكلات الناس، ويعرف بماذا وكيف يفكرون، وهذا خطأ الدولة/الدول بانها استنبتت جماعتها الفاسدة في مزارعها الخاصة فحصدت الخيبة والفساد والرشوة والظلم الاجتماعي والترهل الاداري وسوء التخطيط.
 
فمعدلات التنمية المغشوشة التي يضحك علينا بها حفنة من المهرجين ممن يلبسون اردية الحكمة والوطنية، ويطلون وجوههم بمساحيق الولاء والانتماء باتت مكشوفة لدرجة ان معدلات النمو في المقابر والسجون وتناسل اولاد الشوارع والتسريبات من الجامعات والمدارس باتت غير مسبوقة، وان معدلات الامراض النفسية والعصبية والسكري والضغط والقرحة والكآبة والقلق والجنوح للعدوان والسرقة نتيجة الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية تفوق المعدلات العالمية ويزيد بعضها على ٤ ٪ حسب الاحصاءات الرسمية مع ان احدا لا يثق باحصاءاتها وارقامها. وصار من حق الشعوب مطالبة حكوماتها بتعويضات عن هذا الدمار الجسدي والخراب النفسي تماما مثلما يفعل في الغرب مصابو السرطان بالتعويض من شركات التبغ عما لحق بهم من التدخين. وهذا حق مشروع يجب ان لا يغيب عن ذهن المواطن.
 
فهل سأل مسؤول رسمي واحد لماذا ينتحر الشباب؟ ولماذا الالتفاف على الحقائق؟ هذه ليست اقل من دعارة اعلامية، وبلطجة سياسة، لان سياسة الغرف المغلقة كانت تصلح ايام قوانين الطوارئ والاحكام العرفية يقودها مجموعة من الذين تصلبت ضمائرهم ولا يعرفون «إلاً ولا ذمة» بانتهاج انحراف سلطوي، وتدليس وتهليس على خلق الله، ونورد مثالا لا حصرا المثل المضحك التالي: وزير داخلية اسبق، ضحك على الناس خلال عقدين بيساريته وباع الناس مبادئ معلبة، وافكارا محنطة، وفي ليلة ليلاء، وغفلة من الزمن تخلى عن مواقفه، وبال على مبادئه، وسال لعابه عندما رأى كرسي الوزارة وفي ندوة حاشدة عندما طالبوه بالاصلاحات وتعديل قانون الانتخابات فاجأ الجميع وهو اليساري الذي يؤمن بالحركة الدائمة للتاريخ وقانون التطور والارتقاء بقوله «يجب تعليق الاصلاحات واصدار قانون انتخاب بعد تحرير فلسطين..!!
 
وفي ذات الليلة - بعد كلام الوزير المقيت - رأيت فيما يرى النائم ابليس اللعين يقف عاريا شاهرا سلاحه امام رجالات وثوار السلطة وعرفت منهم عباس بن فرناس الذي حاول الطيران بجناحين من ريش مستعار فسقط من فوق صخرة المفاوضات وقد تحطمت عظامه ودحلان المتدحرج من غزة للضفة عن طريق تل ابيب، وقريع الاقرع، وعبد ربوووه الاقرط، وعريقات الذي لم يعرق رغم كشف المستور وحسن عصفور الذي لم يحلق بوصة فوق الارض، فقلت له يا ابليس الخسيس الا تستحي من هؤلاء الفرسان الثوار وتشهر سلاحك امامهم دون خجل؟ فادار ظهره المكشوف واطلق عليهم قذيفة بازوكاصوتية وقال لي: وهل هؤلاء ثوار؟! فخجلت من فعلته الشنعاء وقلت له وماذا عن خطاب الاصلاح ومقولة الوزير بشأنها بعد التحرير؟
 
سكت برهة، والتفت يمنة ويسرة كمن يتوجس خيفة ان يسمعه احد وقال هامسا: هل تكتم السر فاجبت على الفور نعم حتى لو نهض «تيمور لنك» من قبره ومعه قادة جيشه والمشرف العام على التعذيب لن يستطيعوا سحب كلمة واحدة من بين اسناني فقال اعترف لك رغم براعتي كأبليس اللعين الملعون، والمطرود من رحمة الله، وان شياطين الانس والجن تأتمر باوامري، فقدعملت النخب العربية ما لم استطع عمله بمساندة المتنفذين في مراكز القرار، فقد نزعوا المواطنة من روح المواطن، وحولوه الى دابة مع انك تراه يمشي على ساقين مرتعشتين، ولكن ما لم يكن بحسبانهم وغاب عن تفكيرهم ان الوحش الكامن داخل الدابة، بدأ يتململ واخذ يثأر لنفسه من جلادية الذين ركبوه طيلة عقود طويلة، وتلاعبوا في جيناته الوطنية والقومية والانسانية، وقد لا تصدق رغم انني ابليس فانني قديس قياسا بهم، وادمي بالنسبة لشيطنتهم.
 
واضاف وهو يرتجف ولا ادري ان كان ذلك خوفا او من قلة التدفئة لارتفاع اسعار المحروقات، ان خطاب الاصلاح الذي تدعيه الحكومة/الحكومات خطاب تسويقي ملفق وكاذب فمنذ عام ١٩٨٩ اثر انتفاضة الخبز في الجنوب جرى تنفيسه شعبية ديمقراطية بانتخاب برلمان شعبي قوي، ومذاك توقفت عجلة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان، واكاد اجزم انها تراجعت مع انها مطالب انسانية حصلت عليها الحيوانات في دول اخرى. فسألته كيف تقرأ المشهد العام اذاً. فقال: ان ماء مراجل الشعوب لم يصل الى درجة الغليان ليتحول الى بخار لتوليد طاقة عالية لتحريك عجلات قاطرات التغيير، ولكن البركة في الشباب الذين يضعون حطب ارادتهم وفولاذ اصرارهم في مواقد التغيير ويحرقون المراحل ويشعلون غضب نيرانهم لتفضح ظلمة الديكتاتوريات المعتمة.
 
انهى حديثه مكررا رجاءه بالتكتم على اسمه خوفا من ملائكة النخبة الذين يدعون انهم يملكون مفاتيح الجنة ويحفظون اسرار شيفرة ابواب جهنم تماما كما يحفظون شيفرة حساباتهم في البنوك الاجنبية واضاف لا اكتمك سرا انهم قادرون على ملاحقتي وحبسي في قمقم ضيق - وكما تعرف ويعرف الجميع - لا ارغب في توريط نفسي معهم فورائي مهمات كثيرة وكبيرة يجب انجازها قبل ان تقوم القيامة على رؤوسهم.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

الفقير08-02-2011

اخي ابا محمد ان ما استفتحت به اياه من كتاب الله في سورة النحل راجين من الله ان يكون هذا المقال فيه شفاء لما في صدور الامه من ضيق وكبت انه على كل شي قدير وبالاجابه جدير
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

جميل البرماوي05-02-2011

الاخ العزيز بسام الياسين دائما تضع يدك على الجرح فتصف الداء وتوصف الدواء احييك على مقالك الرائع بل الاكثر من الرائع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

احمد مصطفى الصمادي05-02-2011

تحية وبعد ان هذه المقالة المثيرة تستحق جائزة الدولة التقديرية ولقد قراتها عدة مرات ولم اشبع منها
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور02-02-2011

احييك ابو محمد على هذا المقال المُعَرّي لعفن الانظمة الهرمة والتي لا بد وان ابليس قد تتلمذ على يديها.

هذه الغضبة في الشوارع العربية حتى وان لم تحقق على الفور اهدافها ,فلا بد وأن تكون قد كسرت حاجز الخوف وزرعت في الناس بذرة المواجهة والشجاعة في المطالبة بالحقوق والحريات الع
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.