البلطجة !!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-02-23
2223
البلطجة !!
بسام الياسين

البلطجي كلمة عثمانية تعني الرجل الذي يحمل ( البلطة ) ليدافع بها عن الراقصة , في مواخير الليل خشية اعتداء السكارى عليها او التسلل الى مخدعها. ليبرمان وزير خارجية اسرائيل من أشهر من امتهن مهنة البلطجة في العصر الحديث، حيث لعب دور البلطجي في العلب الليلة الروسية و انطبعت حياته بالسلوك البلطجي، ومارس الدعارة السياسية حين اصبح وزيرا لخارجية دولة العدوان الصهيونية دون حرج .

  ظاهرة البلطجة انتعشت مع دوران عجلة الثورات الشعبيةالعربيةهذه الايام، حيث نقلتها الأنظمة الهشة المترنحة من الكباريهات الليلة إلى الساحات العامة لضرب الشباب الثائر على الاوضاع المزرية،واستثمرت بعض الاجهزة هذه الشريحة المنحطة لتكون مخلباً لتمزيق الارادة الشعبية،وبث الخوف في المسيرات السلمية المشروعة التي تطالب بالعدالة الاجتماعية و محاربة الفساد و التغيير و رد المظالم وانتزاع الحقوق , فيما تقوم الاجهزة الرسميةفي اكثر من بلد بمسيرات مضحكة، مضادة لحركة الحياة والتاريخ، رافعة العصي و الاسلحة البيضاء و الهروات لتكسير عظام حصان التغيير الذي انطلق في أكثر من عاصمة عربية لكسر التابوهات المحرمة , و ذبح الأبقار المقدسة بعد أن طفح الكيل وارتفع منسوب الظلم الى درجة عالية تهدد السلم الاهلي والاجتماعي على السواء. .
 
بديهية معروفة ان كرامة الوطن من كرامة المواطن , و للأسف فإن هناك أجنحة داخل الانظمة العربية ترفض هذا المبدأ الإنساني بل الاسوأ انها تسلط شرارها، و تحرك أعوانها من البلطجية / الزعران على ابنائهامن المثقفين و المتعلمين و الفنانين و الكتاب والشعراء والمسرحيين و شباب الجامعات للاعتداء عليهم في رابعة النهار لرسم خارطة جديدة للكراهية،و تمزيق اللحمة الوطنية , و تفتيت النسيج الوطني من خلال ممارسات صبيانية فجة عفا عليها الزمن وتجاوزتها الشعوب المتحضرة منذ قرون. .
 
بن علي الهارب كان أول من أطلق البلطجية في شوارع تونس بصفته أحد رجال الأمن السابقيين ,وهو من مؤسسي السجون الحديثة , وممن برعوا في فن تعذيب الشرفاء , و استخدموا كل الوسائل السيكولوجية و الجسدية لتحطيم شخصية الوطني المعارض , و تدمير كل مخالف حتى لا يرفع احد صوته فوق صوت الحاكم بامره , ثم اقتدى به مبارك المهزوم في مهاجمة شباب الثورة في ميدان التحريربما يعرف بمعركة الجمل , و استفاد من تجربتهما بشكل دموي علي عبد الله صالح المترنح , و معمر القذافي المهووس، وذلك بتزويد البلطجية بالسلاح الاوتوماتيكي ووسائل الدعم اللوجستي للفتك بشعوبهم والاستعانة بالمرتزقة من الدول المجاورة.وهذا دليل قاطع وفاضح على هشاشة الانظمة العربية وتمركزها في الخندق المعادي لشعوبها .
 
فمن هو البلطجي ؟جاء في التعريف العلمي السيكولوجي انه شخص شاذ شذوذاواضحا ،ويسلك سلوكا معاديا لمجتمعه،بعد ان فقد القدرةعلى التكيف مع القواعد الاخلاقية والقيم المجتمعية،وبالتالي فهو يحمل بين جنباته شخصية مسطحة بالغة التفاهة والفهاهة ،وبسبب الاحساس بالوضاعة يحاول ان ينفخ شخصيته المريضة باللجوء للعدوان لاثبات ذاته.وهي حالة تعويضية من اجل خلق توازن نفسي لشخصيته المهزوزة .
 
العالم النمساوي فرويد اسهب في شرح هذه الحالة لانتشارها وعزا اسبابها الى انها تعود في جذورها الى اعتداء جنسي وقع على البلطجي في طفولته ، حيث بقيت حالة الاعتداء كامنة في تلافيف ذاكرته .لذلك نرى البلطجي يتقمص شخصية عنتربمناسبة ودون مناسبة ،ويسرف في الحديث عن البطولة والرجولة والقوة والبطش.والحقيقة غير القابلة للنقاش ان لعبة زج البلطجية في الشوارع لضرب المحتجين، ومواجهة المتظاهرين لعبة قاتلة تشبه الى حد بعيد لعبة مسدس الموت الروسية،وتؤدي بالتالي الى اضاعة الاوطان بتسليم زمام الامور الى قطعان الزعران .
 
فالبلطجية مجموعة من البشر يجرجرون خيباتهم و تاريخهم الاسود خلفهم و فرصتهم الذهبية أن تتحول ساحات الوطن الى حلبات مصارعة لتوكيد وجودهم واستعراض عضلاتهم. و تنفيس غضبهم واحقادهم على خلق الله.لذلك يجب تفويت هذه الفرصة عليهم ،وفرم الاصابع التي توجههم. .
 
في السياق ذاته نذكر – ان نفعت الذكرى – جهابذة القمع،و أصحاب الذهنيات العرفية، إن ثقافة الاقصاء و أحادية الرأي , و فردية الزعيم الأوحد , و روحية الاستعداء و الزهو , و عقيدة التفوق المجانية كل هذه القناعات أصبحت عملة غير رائجة لا يستطيع احد أن يشتري بها « ربطة فجل « كما ان حرية التعبير والرأي حقوق دستورية كفلهما الدستور واي اعتداء عليهما اعتداء على الدستور ابو القوانين وسيدها. .
 
النظام العربي المهلهل استهدف ثلاثة محاور شعبية : الأحزاب , الصحافة , البرلمانات . و قد وجه النظام العربي ضربات قاتلة للأحزاب و وضع يده على الصحافة من خلال توظيف ازلامه من أميين وخانعين, و قام بتزوير الانتخابات في لعبة تبديل الصناديق المشهورة و لكم أن تتخيلوا دولة بلا أحزاب و لا معارضة و لا برلمان أي أن الدولة تحكم نفسها بنفسها وما على الشعب الا التصفيق و التأييد .
 
وكأن الشعب العربي بملايينه خلق رهينة عند اهل النظام والادهى ان قام فقهاء السلطان بتبرير الظلم وبث روح الاتكالية والتواكل على شاكله «سلطان غشوم ولا فتنة تدوم « و»اصبر على جار السوءفانه اما ان يرحل واما ان تأتي مصيبه تأخذه»و»امسك بالمتعوس حتى لايأتي اتعس منه» من اجل تدجين المواطن حسب المواصفات المطلوبة..
 
ما حدث الاسبوع الماضي من بلطجه امام المسجد الحسيني، وتكسير للرؤوس، وتهشيم للعظام يجب ان لا يمربسلام وان لا يبقى مبنيا للمجهول ( مجهولين ..مندسين) لان الدفع بمثل هؤلاء الساقطين اخلاقيا وانسانيا ووطنيا دليل عجز وتخبط وضعف ، ونهج كارثي ففي الوقت الذي يرفع ابناء الوطن الشعارات والرايات يرفع البلطجية والسوقيون الاسلحة البيضاء والهروات و الفارق بين الفريقين فارق غير قابل للمقارنه ففي حين يعتمد المثقفون لغة المنطق والحكمة يلجأ البلطجية الى لغة العصا والهراوة. في روايته الشهيرة أولاد حارتنا الممنوعة بامر الدولة المصرية يصف الروائي العظيم نجيب محفوظ عنف البلطجية وقسوتهم، وقدرتهم على السيطرة على الشارع ، وتقاسم المناطق، وفرض الأتاوات على التجار يقابل ذلك غض الشرطة النظر عنهم بل وتقاسم الغنائم احيانا معهم ، وتسهيل مهماتهم، وقد حسبت بادىء ذي بدء ان الأمر لا يعدو خيال روائي محلق.وبعد ما جرى من فظائع على أيدي البلطجية في تونس واليمن والقاهرة وبنغازي وأخيرا في عمان أدركت أن خيال نجيب محفوظ كان قاصرا رغم أنه حاصل على جائزة نوبل قياسا لما يجري على الأرض العربية من بلطجة الأنظمة الرسمية وبلطجية الشوارع وايقنت ان ملة الكفر واحدة ومنظومة الاستبداد ايضا واحدة نختم بالقول ان الاستعانة بالبلطجية بلطجة كبرى والتستر عليهم بلطجة اكبر.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

الفقير28-02-2011

اخي ابا محمد الحمد لله على سلامتك لتبقى صوت الحق في زمن قل فيه من يقولون الحق
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابن الوطن24-02-2011

في البداية الحمدلله على السلامة يا ابن الوطني ، أبدعت في تصغيرك لهذه الفئة من الحثالة الذين اذا استيقظوا فاحوا الفساد اينما وجدوا والبلطجة لا ترتبط بفئة عمرية او مستوى اقتصادي او اجتماعي وانما هم كاشكال البشر ينطقون لغات مختلفة حسب ما تملأ عليهم افكارهم الباطنية الحيوانية
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور23-02-2011

ابو محمد , ها انت قد عدت والعود احمد , بقلب اقوى وقلم امضى من ادوات البلطجية وسيوف سادتهم ,فـ لله الحمد على سلامتك .

 اذن, فليعلم الناس ان البلطجي اينما وجد ما هو الا وزير دفاع عن المومسات ,وحارس على الرذيلة واهلها .لكن من الذي يوظف البلطجي سوى القواد والجبان !

 مصاص الدم
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

علي ابو الرز23-02-2011

ايها الدافىء المبدع والاردني الحر الغيور والانسان الشفاف وصاحب القلم الذي لم يخذل اهله مرة واحدة تحياتي واسرتي لك وندعو الله ان يحميك والشرفاء امثالك من كل سوءونتمنى للكاتب موفق المحادين ونجله الشفاء العاجل لقد شفيت غليلناواثلجت صدورنا بمقالتك الرائعة ولااحد يعلم كم نحبك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.