السراب..!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-02-17
1624
السراب..!!
بسام الياسين

وقف صنبور بن ابي حنفية، المسؤول المائي في سلطة المياه، المتخصص في عمليات قسطرة انسداد المجاري، والمستشار الفني لقياس مدخلات ومخرجات محطات التنقية خلف المايكرفون في قاعة فندق «الواحة الخضراء»، مرتديا بدلة زرقاء مموجة، وربطة عنق على شكل قطرة ماء لتشخيص الوضع المائي. افتتح خطبته بالنحنحة لتسليك حنجرته المعبأة بالبلغم من فرط التدخين، وفحص المؤثرات الصوتية للمكبرات. وحين اطمأن لعملهما حمد الله واثنى عليه وقال مخاطبا الحضور: ايها العطشى ، لا اطالبكم باستبدال الماء بالكوكاكولا والعصائر المثلجة، ولا انصحكم   بالاستحمام بالحليب لتطرية جلودكم الجافة، ولكنني انبهكم بحكم موقعي الى خطورة وضعنا. فبحرنا ميت ، وانهارنا جافة، وينابيعنا غارت، وسدودنا نضبت، وابارنا العذبة استولى عليها المتنفذون، ولا يخفى عليكم ان شبكة مياهنا تعوي فيها الرياح والاتربة ، وخزانات منازلنا صارت مستودعات للرواسب الكلسية والطحالب الميتة. اخواني اصحاب الشفاة الذابلة: ان ازمة المياه الخانقة - لا مندوحة - ستدمر الحياة وقد بدأت مظاهرها بتلاشي الحياة النباتية ومايثير الفزع اكثر الانتهاكات اليومية التي تتعرض لها الشبكة المكشوفة من اطلاقات نارية تؤدي الى «خزوقتها» لسقاية المواشي والبهائم فيما تُحرم مناطق سكانية واسعة من الشرب بسبب هذه الاعتداءات.    توقف صنبور قليلاً وكأن سحابة صيف عابرة مرت فوق رأسه ثم جال بنظره على الجمهور، وشاهد على شفاههم المالحة اثار العطش، فرشف جرعة زائدة،  من زجاجة مستوردة تحمل علامة مياه «ايفيان» الفرنسية كادت ان تخنقه لولا ان لفظها. استأنف صنبور حديثه بعد ان مصمص قطرات الماء العالقة على اطراف شواربه، وزوايا فمه قائلا: اما اولاد «الداية» المتنفذون فلا سلطة للسلطة عليهم، ولا احد يستطيع اقتحام مزارعهم المسيجة بكاميرات المراقبة والكلاب المتوحشة للكشف الحسي عليها.  وكما علمنا من - عيوننا - ان المياه لا تنقطع عنها على مدار السنة فهي تهطل من فوقها، وشبكات الري تغطي سطحها، والابار تفيض من تحتها والانكى ان برك مسابح المتنعمين وجاكوزات المترفين تستهلك ماءً زلالا اكثر من القرى البائسة التي تعيش على الحد الادنى من هذا الترياق دون ان يجرؤ احد على منعهم او حتى مطالبتهم بما يستحق بذممهم، واذا ما قام احد الجباة بواجبه فان الركلات تنهال على قفاه، والشتائم تنهمر على رأس ابويه، والسبب كما يدّعون انهم من عظام الرقبة، ويشيلون الوطن على اكتافهم فمن حقهم الاستئثار بكل شيء. فجأة تغيرت ملامح صنبور الغيور وقال بنبرة تشبه خرير السيفون: اخبرني مواطن ممن لا يستحمون الا في المناسبات الخاصة و(ليالي الدخلة) ان استهلاك الفيلا التي يعمل فيها حارسا ليليا اكثر من استهلاك عشيرته مع دوابها. عطس صنبور عدة مرات متتالية لانه غير معتاد على مكيفات الفنادق فقال له احد الجالسين في الصف الامامي - يرحمك الله - فارعد وابرق كأن تيارا كهربائيا صعق جسده المبلول وقال من اين تأتي اللحمة.. عفو الرحمة والمتنفذون «خوزقونا» في كل شيء حتى انهم «خزقوا» اراضينا «خزقا» موجعا بحفر الابار العشوائية دون تراخيص قانونية واستحلبوا الاحواض المائية بالسحب الجائر. في هذه الاثناء انفجر انف صنبور لاهتراء جلدته مصحوبا بوصلة عطس تناثر رذاذها في وجوه الحاضرين مما اضطرهم للمغادرة بعد ان فتح ابارا مالحة في رؤوسهم   دون ان يحظى احدهم بومضة سراب ، فعادوا الى بيوتهم اكثر عطشا مما كانوا عليه قبل محاضرة صنبور بك الناشف..

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

ابو منصور20-02-2009

كان وَصْف ُ السيد صنبور ابن حنفيه (وهو للتعريف من عشيرة المحابس فرع ذي ردّاد) للحال المايل في الوضع المائي امام اصحاب الشفاه الذابلة ،اشبه بالوصف لفيلم خيالي اسمه "اليوم التالي" The day after ، ذلك اليوم الذي يأتي بعد دمار كوني شامل اثر حرب نووية كونية ، لم تُبْقِ الا بعض الناجين م
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.