الثورات تفضح الثروات وتسقط الاصنام!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-03-09
2196
الثورات تفضح الثروات وتسقط الاصنام!!
بسام الياسين

يوم فتح مكة المكرمة ، يوم التحول المفصلي في تاريخ العرب والمسلمين .كان اول مافعله رسول الله صلوات الله عليه ، حين دخل الكعبة المشرفة، ان هوى وصحابته بفؤوس الحق على رؤوس الأصنام. تلك الضربات المباركة كانت فاتحة النصر، طوت ماقبلها من صفحات سوداء مظلمة/ظلامية.

 واعلن رسول الحق ومبعوث السماء الى الناس كافة، ان الاصنام لغو باطل، ووثنية مرفوضة تحط من قيمة العقل الانساني ، لذلك فاحترامها سفاهة، وتقديسها تخلف، والايمان بها انحطاط. الصنم لايعني بالضرورة التمثال الحجري او الخشبي بل انسحب فيما بعد على شخصية الحاكم بامره الذي منح نفسه الحق الآلهي، والتصرف بالمال والعباد، واتخاذ القرارات حسب اهوائه، بما يخدم مصالحه، وهو مايعرف بالصنمية الحديثة (تقديس الفرد),ورفعه الى مراتب الملائكة المنزهين . 
 
شاهد القريشيون اصنامهم تتهاوى وتتناثر اشلاؤها هنا وهناك ، فحاول بعضهم ممن يعبدون الله على حرف، لملمتها لانها لم تزل متغلغلة في اعماقهم، ومستوطنة في تلافيف عقولهم التي لم تستوعب المد النوراني، والزحف المقدس لنسف القيم البالية، واقتلاع العادات الجاهلية الذميمة من جذورها. واذا كان التاريخ يعيد نفسه على شكل مهزلة، فالصنمية المخزونة في اللاوعي العربي عبر التاريخ عادت على شكل فضيحة بأسترجاع عبادة الفرد، حتى جاءت الثورات الشبابية، لتحرر العقول من بقايا الصنمية، وتعيد روحية الثورة والعنفوان الى الشارع العربي، وتكشف المستور من سلبيات الانظمة الدكتاتورية، وتعري الرموزالمصنوعة من قش مكانس الدوائرالصهيونية/الامريكية، ليظهر للكافة ان استقلال الدول العربية كذبة كبيرة، وان غالبيتها ان لم يكن كلها يديرها السفير الامريكي بالريموت كنترول او( من ينوب عنه من صغار موظفي السفارة ) لدرجة ان السفير يدس انفه بادق التفاصيل حتى في تشكيل حكوماتها.
 
هذه معلومات قالتها وثائق ويكيليكس، واكدتها الوقائع العملية على الارض، ويعرفها الراسخون في علم السياسة وليست تحليللات صحفية، او رجما بالغيب. ومن اجل تغطية الحكومات على افعالها، عمدت الى تضليل الرأي العام بواسطة اعلام رسمي لايختلف اثنان على كذبه وتزويره للحقائق، وعملت على تدمير الوعي لدى شعوبها، وتأطير الصحافة وتغيير المناهج المدرسية والجامعية، وتحويل منابر المساجد الى مقابر بالابتعاد عن قضايا الامة، والتركيز على عذاب القبر، ونقائض الوضوءوغير ذلك مما يعرفه طلاب المرحلة الابتدائية. وحرمت على الأئمة والوعاظ المستنيريين الاقتراب من مشكلات الحياة اليومية، كما خربت الجامعات واسقطت دورها في صناعة الشخصية المستقبلية، وحولتها الى حلبات للصراع، والاشد نكاية انها شددت على «تحريم العمل بالسياسة «ورفعت شعارا مضادا يقول «من السياسة ان لاتعمل بالسياسة»حتى تبقى الشعوب مكبلة بالجهل، كي لاتعرف مايدور حولها او تحت اقدامهامع ان وصية الفيلسوف الاسطوري ارسطوقبل ازيد من الفي عام تقول»اذا لم تعمل بالسياسة، فانك تفسح المجال لمن هو اقل منك علما وذكاءوخبرة ان يقودك الى حيث يشاء، ويتولى رسم سياسة مستقبلك». 
 
من خلال نظرة فاحصة نرى ان كلام الفيلسوف ينطبق على الواقع العربي «وان الرويبضات يقودون دفة الامة»حيث ان هدف الانظمة العربية القمعية الاسمى، فرض الحظر على شعوبها حتى لا تخرج من اقفاصها لتظل محبوسة كالكلاب تنبح دون جدوى، او مركونة في الزوايا الرطبة المعتمة كالجرذان ـحسب تعبير ملك الملوك القذافي ـ فاذا افلت بعضهم فالمصيدة بالمرصاد، والا فمطاردتهم «زنقة زنقة»وهذا ماحصل ويحصل في كل الدول العربية شمولية كانت ام تحررية. ذلك يعني بمفهوم الانظمة ان تلتزم الاغلبية الصمت المطبق حتى لو غرقت سفينة العرب في عرض البحر، ولايحق لاحد التلويح بمنديل ابيض طلبا للنجاة. 
 
هذه السياسات الخرقاء مكنت نخبة منتقاة، من المتسلقين والمخبرين والوصوليين واللصوص والفاسدين المفسدين، من قيادة المرحلة الى الهاوية.كما ساعدت في جرثمة الاجواء العامة بكل الأوبئة، لكن مالم تتوقعه الانظمة في كوابيسها، بروز جيل جديد نظيف تطهر من دنس الماضي، سيثورعلى الانظمة الصنمية ليعيد للامة مكانتها المرموقة، وشرفها المهدور، واموالها المنهوبة من لدن العصابات الحاكمة. بعد ان سيطرت الانانية عليها، واستفحل الجشع عندها، وغابت الغيرية والتواصل الاجتماعي من قاموسها. فاصبح شغلها الشاغل النهب، والاستحواذ على مقدرات الاوطان وليكن بعدها الطوفان، لانها استرغدت العيش على قوت الآخرين، واستعذبت شقاءالمحرومين. 
 
المخجل ان الاحزاب الرسمية التى جرى استنباتها في الحواضن الرسمية ، وعلى مزابل الدوائر الاستخبارية، كانت شاهد الزور، في الدفاع عن الانظمة الفاسدة مقابل صفقات مالية، ووضع اليد على الاراضي، والوظائف والاستئثار بالامتيازات، وتحولت من احزاب لخدمة الشعوب الى مافيات رسمية، كالحزب الوطني المصري، والتجمع الدستوري التونسي، والمؤتمر الحاكم في اليمن، واللجان الثورية في ليبيا. العالم العربي يقع في قلب العالم، ويفرض سطوته بالجفرافية الطبيعية، والجفرافية السياسية، والممرات المائية، والثروة النفطية، والثروات المعدنية، والثقل السكاني الشبابي، والشعب العربي من الشعوب الفتية فيما شاخت شعوب اوروبا وامريكا، وبالرغم من هذه المميزات الخارقة والفريدةفان الزعماء العرب اداروا ظهورهم لناسهم، و تحولوا الى اباطرة للمال، وفتحوا الجهات الاربع للمحتلين بل وان بعضهم ساعد في احتلال دول شقيقة، ولعبوا دورا تخريبيا من خلال استبعاد الشرفاء من الرجال العظام، وقربوا النخب الكريهة الطفيلية، مما ولد كوارث اقتصادية وادارية واجتماعية دفعت الامة ثمنها باهظا........ السادرون في غيهم لم يدركوا ان لااحد محصن ضد الزلزال، وان القارعة لاتميز بين الابواب وستقرعها جميعا.ومن باب الغباءعندما كان الشعب ينادي بالاصلاح والتغيير كان بعضهم يستهزء بذلك، بينما بعضهم الآخردأب على تغيير الطرابيش، والابقاء على الرؤوس العتيقة ، منطلقين من قاعدة خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام.متبعين سياسة العصا الغليظةوالمكابرة والعجرفة، لاسكات الناس على طريقة مدير شرطة «البحيرة» المصري حينما قال بوقاحة متناهية للجماهير:»انا سيدكم ولي الحق ان اقطع ايديكم، وادوس عليكم»هذا الضابط اللواء المصري اختصر السياسة الرسمية بلا لف او دوران ولاحاجة الى التفتيش عن الدلالات في المعاجم ، لان هذا هو النهج المتبع في النظام العربي القمعي. 
 
كل هذا التمهيد لتبيان ان الحاكم بامره يستطيع ان يفعل مايشاء دون مساءلة من احد، طالما ان هناك من يتكفل بقطع ايدي الشعب، وزجه بالسجون، واطلاق النار عليه.وليس غريبا ان تتداول الصحف الغربية ثروة المخلوع مبارك الخيالية في ظل غياب الرقابة والمحاسبة من البرلمانات المزورة والصحافة المأجورة، اذ ان الارقام الاولية تؤكد انها ازيد من (120) مليار دولار اي انها تعادل المساعدات الامريكية منذ توقيع معاهدة كامب دافيد حتى خلعه، وتفوق دخل قناة السويس على مدى عشرين عاما، اما زين السافلين فثروته تنوف علىالـ (80) مليار دولار غير اطنان الدهب والحلي والمجواهرات المودعة في البنوك البريطانية باسم زوجته ليلى الطرابلسي .
 
اما صاحب النظرية الثالثة، فخزينة الدولة تصب في جيوبه وجيوب ابنائه، ومايوجع القلب ان هذه الدولة العملاقة ماليا لايوجد فيها مستشفى متخصص، فالاغنياءالليبيون يحضرون الى عمان للعلاج ، والفقراء يموتون من قلة العلاج، بينما كشفت الفضائيات عن عشوائيات ليبية لاتصلح للبهائم في الوقت التي تقيم عائشة القذافي سهرة لليلة واحدة تكاليفها مليون دولار، ويتبرع سيف الطغيان بملايين الجنيهات الاسترلينية لاحدى الجامعات البريطانية التي حصل منها على شهادة اخذت الجامعة حاليا تشكك في صحة اطروحته هذه عينات من زعمائنا «الفقراء»فكيف الاغنياء؟ناهيك عن الملايين التي يتلاعب بها الابناء والزوجات والاصهار والحاشية ، وطابور المنتفعين . ونظرا لسوء امانة القيادات العربية ، فقد هبط العرب الى ادنى سلم الانحطاط الحضاري والسياسي والاقتصادي بسبب السلطة المطلقة التي نتج عنها مفسدة زواج الثروة والسلطة اللاشرعية مما ادى الى عملية ممنهجة لتدمير الدول العربية الواحدة تلو الاخرى. في اتجاه معاكس نلمس ان اقتران الصدق بالشجاعة، يولد فضيلة الصراحة والجهر بالحق، وما يدور على الساحة العربية من تحول غالبية القادة العرب الى طغاة، وبعضهم الى بلطجية، وهذا وضع مخز لايجب السكوت عليه، وتاليا نضرب امثلة لاهل البصر والبصيرة. لعلهم يتقون الله في شعوبهم وانفسهم. 
 
عندما بنى عبدالرحمن الناصر مدينة الزهراءفي الاندلس، كان مما بناه «الصرح الممرد» اتخذ لقبته قراميد من ذهب وفضة، فارهق خزينة الدولة، فلما سمع الفقيه الجليل منذر بن سعيد المعروف بجرأته انتظر الناصر حتى حضر صلاة الجمعة، وبدأه الفقيه بالتقريع، ثم قال له مباشرة: ماظننت الشيطان يبلغ بك هذا المبلغ، ولاان تمكنه مما آتاك الله هذا التمكين، حتى انزلك منزلة الكافرين. فاقشعر السلطان، وندم على فعلته، وقام يستغفر الله، ويعتذر للفقيه، وامر بخلع قراميد الذهب والفضة، واعادها لبيت مال المسلمين.نتساءل لو وقف علماؤنا وفقهاؤنا مثل هذا الموقف امام الحكام المنحرفين اما كانت اوضاعنا بالف خير؟. وعندما احتل الملك الصالح دمشق عقد صلحا مع الصليبيين على ان يساعدوه ضد اخيه ملك مصر، مقابل اعطائهم عددا من المدن والحصون الاسلامية .
 
فاستفظع الشيخ عزالدين عبدالسلام مافعله السلطان، وافتى بحرمة التعامل مع الصليبيين، فامر السلطان باعتقاله وعزله من مناصبه .فقرر الشيخ الرحيل الى مصر ، ومضى في طريقه، فادركه رسول السلطان، وابلغه ان السلطان عفا عنه وسيرده الى منصبه، ويعطيه مايرغب من المال، شريطة ان يعتذر له، ويقبل يده، فرد عليه الشيخ الفقيه بتواضع المؤمن :يامسكين، انا لاارضى ان يقبل السلطان حذائي فضلا عن ان اقبل يده، ياقوم انتم في واد وانا في واد آخر. يقابل ماتقدم مايحدث في عصرنا من روايات مغايرة يندى لها الجبين، و لايقبلها عقل، ولايقرها منطق سلكها فقهاء السلاطين ومارسوا اقصى درجات النفاق والتملق حتى يقال عن احدهم انه كان يركض بعد انتهاء الصلاة لالتقاط «كندرة السلطان» ليضعها بين رجليه بفرح غامر، وكأنه التقط كنزا ثمينا، ويعتبر ذلك شرفا كبيرا له .
 
اما قصص شيخ الازهر السابق سيد طنطاوي ففيها من الغرابة والعجب مايثير الاشمئزازفقد اصدر عدة فتاوي للسادات لتحليل اتفاقية العار مع اليهود، وقد كذب امام الملايين حين صافح الصهيوني شمعون بيرس قاتل اطفال قانا، ثم ادعى انه لايعرفه.
 
وفي موقف آخر استقبل بالازهر الشريف قطيعا من حاخامات اليهود، ولما سألوه عن فعلته المشينة، رد بانفعال:»دول اهل كتاب داهموني بالمكتب، عايزين مني اطردهم، احنا عرب ومسلمين ومايصحش نعمل كده». فهل لمستم الفرق الشاسع بين كلمة الحق امام سلطان جائر، وبين نفاق المنافقين وتملق المتملقين من فقهاء السلاطين . 
 
ان الله عزوجل اكرم خير امة اخرجت للناس بثورات شبابية قالت لاشد الطغاة: لامكان لكم بيننا، واعطت درسا تاريخيا للشعوب المستكينة التي تعلمت كيف تتأقلم مع الظلم لقد آن الاوان ان نتعلم كيف تنتفض على الظلم، ولايجوز بعد اليوم اختصار الوطن في واحد كائن من كان، وقد انتهت عبادة الاصنام ، وان الدول العربية ليست مزارع سائبة لاغنام السلطان او هي غنائم للحكام .
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

الفقير14-03-2011

اخي ابا محمد اشكرك جزيل الشكر على الاستشهاد فاما ان يكون من كتاب الله او من سنةرسول الله وهذا ما تحتاجه الامه بان تعود الى اصل عزتها وكرامتها
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

عبدالرحمن الخليلي الزرقاء شارع السعادة10-03-2011

اشكر الكاتب والموقع على هذه المقالة المميزة ذات الابعاد والدلالات المتعددة خاصة ونحن العرب كافة نمر في مرحلة الثورة والثورة المضادة وكشف الفساد والعملاء واتمنى على العراب ان ترفع سقوف الحرية الى السماء كما قال جلالة الملك
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.