المدينة الطبية الملكية!!

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-03-23
3092
المدينة الطبية الملكية!!
بسام الياسين

 لم يدع زلزال الفساد مؤسسة أو وزارة أو دائرة إلا وضربها من جذورها ، وصدّع أركانها ، وهز كيانها، ممااحدث شرخا عميقا في ثقة المواطن بالمسؤولين كافة، حين اكتشف بالبرهان الساطع، والدليل القاطع ان المؤتمنين على اموال البلاد و مستقبل العباد، قد تورطوا في قضايا فساد كبيرة بارقام فلكية، لبلد فقير يعيش على المساعدات والهبات والمنح، ويعتاش على الضرائب، كما ان العيون الراصدة تؤكد بان مظاهر الثراء السريع والبذخ اللافت، تشي بتورط «شلة»الكبار، ورجالات «النخبة» بقضايا فساد بطريقة او باخرى، هذه ليست نظرة انطباعية كما يدعي المدافعون عن الفساد، بل هي نظرة واقعية تعلن عن نفسها، وتفصح عن عورتها، بأن من يملك قصرا بخمسة ملايين دينار كحد ادنى، ومجموعة من السيارات الحديثة، ومسبحا في الحديقة، ورصيدا دسما، ومصاريف يومية لافتة لا شك انه حرامي ما لم يثبت العكس خاصة انه لم يعمل في التجارة، ولم يرث بئر نفط عن المرحوم والده الذي عاش محروما، ومات مدينا، هذه الامور لاتحتاج الى ذكاء خارق، لنتأكد انه «لص شريف» من هنايحق لنا ان نسأله من اين لك هذا؟ لاننا نعرف ان السماء لاتمطر ذهبا ولافضة، وحارتنا ضيقة.

  تسونامي الفساد جرف امامه هرم القطاع العام حتى غمره، من قاعه حتى قمته، مما يدل على غياب الانتماء، والسقوط الأخلاقي والقيمي لقطاع عريض من السراق المهذبين المهندمين من ذوي الربطات الملونة، والياقات المنشاة، والاحذية الثمينة اللامعة، اولئك الذين يعيشون في الوطن، وكأنهم على سفر، وليسوا ابناء وطن. هؤلاء جُل همهم اشباع الأنا المثقوبةعندهم، دون ان يهتم احدهم بعواقب نهب المال العام قانونا، وحرمته شرعا، والاستخفاف بجوع الناس ومعاناتهم ، رغم ان ظهر الدولة كُسرمن ثقل المديونية، واوزار الحرامية.
 
نتساءل هل الصورة قاتمة بهذه الصورة ؟ ألا يوجد في جهنم الدنيا فسحة من امل، يتفيأ في ظلالها المحرومون والمتعبون؟! نقول نعم: هناك جزيرة صغيرة إقتطعها الله من جنته الموعودة، وأختص بها الأردنيين حتى ينعموا فيها ساعات الشدة ويتحرروا من اوجاع المرض، ممن أشقتهم الأيام، وجارت عليهم الاحوال، وتكالب عليهم» اولاد الحرام»ممن حفر الزمن بصماته العميقة على وجوههم المتعبة، وأغلق الحزن شرايينهم، وأرهقت هزائم الامة المتلاحقة، قلوبهم المرهفة . 
 
الجنة الارضية، هي المدينة الطبية الملكية ، مفخرة المملكة ، ومنارتها العلمية ، وقوس نصرها، وفردوسها الأرضي، وكعبة العرب العلاجية التي كسرت بنقائها لعبة الفساد التي انتشرت في مجتمعنا كالوباء... وهي الخدمات الطبية المميزة والمتميزة، تدخل إليها وأنت على شفا حفرة أو على جرف هار من الموت ، معنوياتك في الحضيض ، وقلبك يخفق هلعا ، ويتقافز مثل عصفور داهمته عاصفة هوجاء، في ليلة باردة سوداء. ولحسن طالعك، ورضا ربك، ودعوات احبائك، ان ساقك الله الى هذه المدينة الطبية، وما أن تضع قدمك في غرفتك المخصصة حتى يتحلق حولك فريق من أمهر الممرضين والممرضات، ليغمروك باطيب عبارات الترحيب، ويعاملونك ارق معاملة، كي يرفعوا معنوياتك، فينقلب مزاجك الداكن بلمسة سحرية الى سعادة فياضة، وحالتك السوداوية من مريض مقطوع الأنفاس، الى انسان يفور حيوية، ويتدفق نشاطا، فتشعرانك أشبه بسائح ذاهب إلى الإستجمام في جزر الكناري ، عندئذ تهبط عليك غمامة من طمأنينية، تبدد خوفك أمنا ، وتستبدل قلقك راحة، وتحول توترك استرخاء. 
 
الكادر التمريضي الملكي، هم بالاصل فريق من الملائكة احترفوا التمريض، وأبدعوا في فن التعامل الإنساني، ألسنتهم تقطر شهدا صافيا، ونظراتهم تفيض حنانا ودفئا، حينها تستعيد بمخيلتك قصص الافلام الرومانسية ايام الزمن الجميل. تتنفس الصعداء، ثم تلتفت حولك لاستكشاف المكان، فترى نظافة عز نظيرها ، وكوادرطبية مدربة تهرول نحوك بكبسة زر، فتدرك بخبرتك ان وراء هذا النظام والتنظيم، ادارة حانية وصارمة معا، وحركة محسوبة ومنضبطة بدقة ساعة سويسرية. مما دفع احد المرضى الى التعليق صادقا على هذا المشهد بالقول:في المدينة الطبية يحببوك بالمرض، رغم مشارط الجراحين، وحقن الممرضات والممرضين. يزول ألمك ، وينتظم ضغطك، بما لمست ورأيت وسمعت، وتشعرانك بأيد امينة، وتنتابك حالة من الرضا، ساعة يقرع عليك الباب طبيب مديد القامة، مهيب التقاطيع، يبادرك بلطف بالغ، وادب جم، ان موعد اجراء عملية قلبك المفتوح غدا، وسيجريها لك الطبيب الفنان جراح القلب المعروف بـ «الرسام» باسل الحراحشه، تنظر الى بريق عينيه المشعتين ذكاء، وتقرأ اسمه المدلى من ناحية القلب كوسام شرف على صدره»الدكتور «منهل الرمحي»ثم تنظر الى زميله الاخر ذي الملامح الهادئة الطيبة، تقرأ اسمه الدكتور «فرج العبادي»، فتستبشر خيرا بهذا الثلاثي الطبي الرائع، جراح باسل، وحكيم منهل عذب، ودكتور يحمل بشرى الفرج، تداعبهم قائلا: «كل الامور اذا ضاقت لها فرج». تستشعر بعدها ان فرج الله اقرب اليك من حبل الوريد.
 
 في الغد ينقلوك الى غرفة «العمليات» .وهناك يقوم الحكيم العقيد باسل الحراحشة باستخراج قلبك من صدرك، برفق استاذ حنون، ومهارة نطاسي بارع، ويتعامل معه كتفاحة طرية لتخليصها من مكامن العطب، ومواضع التلف، ليزرع مكانها اربعة شرايين جديدة، كان قد استخرجها من رجلك اليسرى وتلك حكمة الله ان جعل لنا شرايينا اضافية كقطعة غيارفي الساق اليسرى نستعملها حين الحاجة. وبعد ان تتحرر من البنج، وتسترد وعيك، تحس ان قلبك بدأ يستعيد شبابه، ويقرع في صدرك مثل طبل افريقي يدعو القبيلة لتناول وجبة دسمة من لحم رجل ابيض مستعمر ضل طريقه في الغابة. وبحرص المواطن الذي يحب اهله ووطنه، أسأل جهابدة التطوير، واساتذة التنظير، لماذا لانعمم تجربة المدينة الطبية على باقي المؤسسات والوزارات والدوائر الاردنية المنخورة ترهلا وفسادا؟ وماذا يمنع وزارة تطوير القطاع العام من دراسة اسباب نجاح وتميز بل تفوق الخدمات الطبية، والاستفادة من فرادتها وريادتها. اجاهر بالقول للجميع بامانة وصدق، وهي شهادة امام الله، بعيدا عن المبالغة او التحيز ان هذه المؤسسة تضاهي افضل الصروح الطبية الاوروبية، مع فارق الميزانية بالطبع، كما اصدقكم القول: انه لو تم تطبيق تجربتهاعلى قطاعات الدولة ـ وهذا لايحتاج الى معجزة ـ سنكون افضل حالا من سويسرا.»وهذالايعني انها بلغت الكمال، فالكمال للواحد الاحد. 
 
بالتزامن مع كتابة المقال، كنت استرق النظر الى فلم وثائقي عن وسائل التعذيب في احدى الدول العربية، وقد صدمت من قسوة المحققين وعنفهم، وقدرتهم على تهشيم العظام، واعطاب الاعضاء، وشل حركة الاعصاب، باساليب يعجزعن تخيلها ابليس اللعين، ومن كتب الله له النجاة من هؤلاء المعذبين في الارض، الخروج حيا من اقبية التعذيب المخابراتية بمعجزة ربانية، فلا مناص في انه سيحمل معه آفة نفسية، او عاهةجسدية، او يعيش بقية عمره على كرسي متحرك.
 
وبالتوازي مع جرائم التعذيب، كانت الاخبار تتوارد عن «بطولات»علي عبدالله صالح في قتل خمسين شخصا، وجرح اكثر من مائتين من مواطنيه اليمنيين المعتصمن في ساحة التغيير، لكن ملك الملوك الليبي كان اكثر «بطولة»من زميله اليمني، حيث راح يدك مدن شعبه الذي «يحبهم ويحبونه» بنيران المدفعية الثقلية، وراجمات الصواريخ المدمرة ذنبهم انهم ينادون بالحرية.
 
العكس تماما يحدث في المدينة الطبية، مدينة الرحمة والمحبة اذ انهم يصنعون الحياة، ويرممون القلوب المتعبة، ويزرعون الاعضاء بدل التالفة، ويعيدون النور الى من فقد نعمة البصر، ويبعثون السعادة في النفوس المنهكة، فالفارق شاسع بين صناع الحياة والقتلة. 
 
تأسيسا على ذلك ندعو الله ان يحشرنا في الدنيا والآخرة، مع اهل «المدينة»، الطيبيين، ويجعلها عصية على الخصخصة واللغوصة من عصابات اللبراليين ، ويبعدنا عن عصابات «بلطجية التعذيب»، ويبعدهم عنا انك انت السميع المجيب، وملاذنا الاول والاخير يا رب العالمين.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

خليل ارشيدات27-03-2011

اخي ابا محمد احمد الله عز وجل على سلامتك وعلى الرغم من غياب الاشياح الا ان الروح كانت تدعو لك باشفاء وفي الختام الشكرو موصول الى الطاقم الطبي والى كل يد بيضاء في هذا الوطن تسهر فيه على راحت الفقراء والمساكين ومحتاجي الرعايه والحنان اخوكم الفقير لرحمة الله
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

محب الاردن26-03-2011

شكرا كل الشكر للدكتور البارع اخصائي الاعصاب والدماغ اللواء الطبيب عبد اللطيف الوريكات
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

درويش يوسف ابو عيشة24-03-2011

الحق اسم من اسماء الله وشكرا لهذا الموقع وللكاتب على هذا الموقف النبيل من مؤسسة تستحق العرفان بالجميل ولقد كنت انا احد المرضى واشعر بفرح لمن جاء ليكتب فيها احسن الكلمات شكرا للكاتب وللموقع والف الف شكر للمدينة الطبية واطباءها وممرضيها وممرضاتها وحتى عمال النظفافة واشكر با
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

مروان الحياري24-03-2011

عاش ابو حسين العظيم عاش عاش
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابن القعدان23-03-2011

في البداية الحمدلله على السلامة، هذه شيم ابن الاشراف عندما يرى ما أستقام يقسم بأنه مستقيم ويحدث نفسه والاخرين عنه، وعندما يرى الاعوجاج يصيح بحرقة قائلا هذا أعوجاج ومن الممكن ان يكون بذلك الشكل مستقيم.

أستاذي أن ما تواجهه الامة من مؤامرات ومخططات تتجاوز العقل البشري الطب
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

ابو منصور23-03-2011

من لا يشكر الناس لا يشكر الله فشكرا لك وتحية ابو محمد على صدق الانتماء ودفء العاطفه. رحم الله من سعى لانشاء هذا الصرح الراقي ولا يعرف مدى ما يقدمه للناس الا من جربه وانا منهم , ولا ينكر ذلك الا جاحد او حاقد .العاملون في المدينة خلية نحل نشطه تعمل بلا ملل او كلل , ولولا المستوى ال
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.