الملك و الديناصورات الامنية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-08-23
2563
الملك و الديناصورات الامنية
بسام الياسين

 "إنني على علم بوجود شخصيات تسعى لأحداث شرخ بيني وبين شعبي" ...الملك عبد الله بن الحسين

حقيقة غير قابلة للنقاش،ولو من قبيل العصف الذهني،أو الرياضة العقلية،تلك القائلة: ان لآأحد ينتصرعلى الشعب مهما أُوتي من قوة وجبروت،و تدجج بأسلحة القمع المادية وتمنطق بالذخيرة المعنوية، حتى وان انتصر مرحلياً،فسيخرج عاجلاً او آجلاً مدحوراً بلا مستقبل،لأن المستقبل كما عَلمّنا التاريخ هو للشعوب، للأجيال الصاعدة. هي معادلة صارمة لايرقى اليها الشك ثبت، صدقيتها،مقرونة بديمومتها.فَمَنْ يتحمل اذاً، وزر الدم المسفوك، العظام المهشمة، الاعتقالات الجماعية سوى شخص قصير الرؤيا،قاصر الفهم، مقامر انتحاري وضع سمعته و تاريخه و دنياه على طاولة القمار ليلعب بهم،وليسحب فوقهم من رصيد آخرتها ان كان له رصيد .الثابت الوحيد أن منظومة الحرية و الديموقراطية و العدالة هي فرس الرهان الرابح،ما غير ذلك كمن يجلس على كف عفريت .*

**** جهازي أمن الدولة و الأمن المركزي في مصرحولا المحروسة الى جهنم،وحياة المواطن الوادع في ـ ام الدنيا ـ من بركان خامد الى بركان ثائر، طارت حممه إلى كافة الوطن العربي حتى أصابت العدوى العدو التاريخي اسرائيل فقام بمظاهرات عارمة على حكامه احتجاجاً على الغلاء متأثراً بالربيع العربي.الاجهزة الامنية المصرية، بكل تلاوينها ومهماتها المختلفة،واساليبها المتطورة، و اعدادها الهائلة،رفعت جدران الكراهية بين المواطن و النظام،وساهمت بالقطيعة بين القيادة و القاعدة بحفر خنادق الخوف،وعجلت بدفع عجلات النقمة على اركان الحكم، حصيلتها ثورة شعبية على النظام و اسقاطه في حفنة ايام.الأغرب ان هذه الاجهزة العملاقة المليونية ذابت في سويعات ثم اختفت آثارها، بعد تنحي الرئيس الخسيس، و ألقت بسلاحها، و خلعت بزاتها في الزواريب والحواري،و أحرقت ملفاتها لتتنصل من فظائعها،ثم تركت امن البلاد والعباد،للبلطجية و اولاد الشوارع .السيناريو اياه تكرر في العاصمة الليبية طرابلس،حيث تنكرت الكتائب الامنية لعميد الزعماء العرب،القائد الاممي، امبراطور افريقيا،فهرب منهم من هرب،واستسلم الباقون بعد ان سلموا سلاحهم/شرفهم العسكري/وباعوا القائد بثمن بخس،رغم امتيازاتهم الهائلة،وتعليفهم بأفضل انواع الاعلاف على مدار اربعة عقود.

***** كعاشق وطني ،لا اعتمد التورية و التخفي وراء الرمزية، بل الجهارة و المباشرة في قول الحق،و لا اختبئ كمهرج خلف قناع غريب او وجه مستعار، بل افاجئ الناس بما لا يألفوه، و أزن الأمور بميزان الصدق والمسؤولية، وارى منذ طفولتي المبكرة الاشخاص بحجمهم الطبيعي دون تكبير حد المبالغة او تصغير درجة التقزيم.من هذا المنطلق فإنني اقول: أن معظم هذا الزعامات السياسية والامنية، جاءت بقوة العشيرة، أو المحاصصة الجغرافية، و بعضهم جاء على ظهرالواسطة عنوة،فيما جاء آخرون بالخديعة الاجتماعية. ومَنْ يظن أن خلط الاوراق من لدن هذه الزعامات، و ترهيب الناس،و قمع المظاهرات السلمية،يخدم السلطة فهو جاهل بابجديات السياسة، و طبائع البشر،و حركة التاريخ، يعاني من اعاقة معرفية في التعامل مع الواقع المتحرك، و ضيق افق في علاج الازمات .

**** زعامات القوى التسلطية من اصحاب المصالح،قامت بقصف المواقع الديموقراطية، و زورت الصناديق الانتخابية، و انتهكت حرمة الوحدة الوطنية، و زرعت الفتنة في الجامعات، وأججت شغب الملاعب،وعملت على تأليب الناس بعضها على بعض في الانتخابات النيابية والبلدية،وفرضت الصمت على الجماهير بقوة العصا، لكي ترسم لنفسها صورة المُخلص المُنقذ للوطن. لكن هؤلاء يجهلون او يتجاهلون ان هذه لعبة مكشوفة تسيء للنظام،و لا تعطيه حصانة،و لا تمنحه مناعة بل ترفع بهذه الأساليب الفجة مداميك الكراهية و القطيعة و الحقد بين الناس والنظام،وتخلق الشروخ بين القاعدة والقمة.

***** بعد مجموعة من الأندفاعات الامنية الخاطئة،انبرى الملك حامي الدستور،ورمز الوحدة الوطنية،ونقطة التوازن والاتزان،الى لجم الاندفاع الى الهاوية،بعد ان وصلت الامور لحافة الهاوية،فكبح الصدام بالحوار،وأحَل التفاهم مكان العنف،والتسامح بدل الحقد ،والمرونة عوضاً عن الخشونة،فكانت فاتورة الدم الاردني بيضاء تسر الناظرين،وهذا يعكس المخزون الكبير المتجدد من قيم التكافل والتراحم والتسامح عند الأردنيين،وهي قيم ايجابية كفيلة بمواجهة الاستبداد،وتطويق انفلات الدولة البوليسية،وفلتان الاجهزة الامنية.في هذا السياق يقول احمد عبيدات رئيس جهاز المخابرات الاسبق الذي قاد الجهاز في اخطر مراحل الوطن،في مقابلة صحفية بتاريخ 12/7/2011 :مشكلتنا في الاردن تكمن بالاستبداد،وفي موقع آخر يؤكد ان المؤسسة الامنية اصبح لها نفوذ يتجاوز سلطة الحكومات،اما الدكتور محمد الحموري،فقيه القانون الدستوري فيؤكد ان جلالة الملك ينادي بالاصلاح،ولكن مع الأسف ،فان الاجهزة والجهات التي عليها ان تنفذ،مايطلبه الملك،لازالت تتشبث بوسائلها العتيقة،في مقاومة الهبات الشعبية المنادية بالاصلاح كوسيلة للاحتفاظ بسلطاتها السماوية.

***** كان دور القيادة، ولم يزل،تخصيب الحوار الوطني،ورفع منسوب الرأي الآخر،وتلقيح الافكار الايجابية،واستنبات القيم العصرية،للمساهمة في خلق مجتمع ديمقراطي مستنير، لتجنيب البلاد ماآلت اليه الأنظمة البوليسية،الرافضة للتغيير التي تعتمد سياسة القمع ،ومغالطة الحقائق،ومعاندة التاريخ،حتى وصلت الى مآلآت دموية،و كلنا شهود،كيف تحول عقلاء الحكم الى مجانين قمعيين في سوريا وليبيا واليمن.ولم يعرف اولئك القتلة ان الدولة البوليسية، لم يبق لها سند ولاحليف يدافع عنها،بعد ظهور المحكمة الجنائية الدولية، كما انه ليس بمقدور قاتل دموي الافلات من ملاحقتها.ولا مهرب له من وضعه ككلب مسعور في قفص الاتهام،ومحاكمته ثم انزال العقوبة عليه عقاباً على مااقترفت يداه.هذا قانون تاريخي وانساني لايسقط بالتقادم،ولايموت بالنسيان

***** المطلوب احترام كرامة الناس،وتوقهم للحرية،والحفاظ على سلامة ارواحهم وابدانهم،وبناء دولة القانون،على انقاض الدولة البوليسية،والفصل الفوري بين الامني والسياسي،والتزام قوات الامن ثكناتها،والتفرغ لمطاردة المجرمين والفاسدين،ولصوص القاصات والمركبات،واحذية المصلين،وحقائب النساء،وقبضايات الخاوات،وتطهير الوطن من بؤرالدعارة والرشوة والواسطة،ومحاصرة تجارة الآثاروتهريبها،والتصدي لجواسيس اسرائيل، وتجار المخدرات، الآفة التي بلغت مستويات مرعبة،بعد غزوها المؤسسات التعليمية،وتفشيها المتسارع بين الشباب.

***** نخلص الى نتيجة حتمية، ان الملك سفينة النجاة وبوصلتها،وعلى الاذرع الامنية ان تكون مجاديفها،والايمان المطلق بان هيبة الدولة من هيبة شعبها،ولاهيبة لدولة شعبها بلاهيبة،خاصة عندما يكون الشعب خائفاً مرعوباً،يعاني من مجموعة من العُقد النفسية،تولدت عنده،وتراكمت في اعماقه من كرابيج الامن وبساطيرهم،والخوف منهم على لقمة الخبز اولادهم من تقاريرهم السرية.

**** نقول لكل السلطويين المتسلطين، ان الاردنيين ميالون الى الاعتدال والهدوء والانفتاح،تغلب عليهم الطيبة والوداعة،وبالتالي فهم بعيدون عن العدوانية، ويعود ذلك لعدة عوامل اهمها التربية الدينية، التركيبة العشائرية،الطبيعة الجغرافية السهلة،ذات السهول المفتوحة،فلاهي جبلية وعرة،ولابحرية قاسية، او صحراوية مزوبعة،مما ساهم في لين طباعهم،وبُعد نظرهم،اضافة للاعتدال المناخي،وتجدد الفصول التي تضفي عليهم السكينة.لذلك فان نعمة الامن والامان هي نتاج وعي المواطن،وثقافته،وتمسكه بتقاليده واعرافه الموروثه،والتزامه بتعاليم دينه الحنيف بالاستقامة ومعاملة الاخرين معاملة حسنة،وعليه فان هذه النعمة العظيمة ـ نعمة الامن والامان ـ ليست نتاج الاجهزة الامنية وحدها، انما هي تشاركية بين الشعب وبين تلك الاجهزة

***** السؤال الاخطر هو،هل الاجهزة الامنية تحمي الوطن ام ان المواطنيين انفسهم يحمون وطنهم بالتعاون مع اجهزة الامن دون التقليل من دورها الفاعل؟!.اما السؤال الاجباري الاشد خطورة،هل الاجهزة الامنية هي التي تحمي نظام الحكم المحمي شعبياً بالولاء والانتماء،ام ان الاجهزة الامنية والحكومة هما اللتان تحتميان تحت عباءة الملك في الاوقات العادية،وخلفه في الاوقات العصيبة؟!. 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

عمر ابراهيم -ابو منصور -29-08-2011

ابو محمد تحية. كالعاده... جاء المقال مباشرا كالبرق الصاعق وبلا عوازل او عوائق واجمل ما جاء فيه هو مسك الختام بـ (السؤال الاخطر)وما تلاه! شكرا ايها العاشق الوطني .27/8/2011
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

عمر ابراهيم -ابو منصور-27-08-2011

ابو محمد تحيه.كالعاده...جاء المقال مباشراً كالبرق الصاعق وبلا عوازل او عوائق واجمل ما جاء فيه هو مسك الختام بـ (السؤال الاخطر) وما تلاه! شكراً ايها العاشق الوطني .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

سليمان قبيلات27-08-2011

تحليل .. ومقال جميل استاذ بسام الياسين... انا من متابعين صحيفة المواجهة الاسبوعية الرائعة التي ترأس تحريرها فهي بالفعل اثبتت وجودها واصبحت الاولى بفعل كادرها المهني وسلامنا للاستاذ عماد شاهين.ونتمنى العودة عما قريب لحصيفة المواجهة.. وكل الدعم لموقع العراب نيوز
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

اخ الفقير24-08-2011

كلامك درر يا استاذ بسام ، بارك الله فيك وجزاك الله خير على هذا المقال الجميل .
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.