الى اين يأخذنا "العقل المدبر: يكفي اللعب بالنار?

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-10-02
1999
الى اين يأخذنا
رنا الصباغ

بدل أن يعيش الأردنيون أجواء احتفالية بصدور الارادة الملكية على تعديل الدستور, طغى شعار "لن تخدعونا" على مزاج الحراك الشعبي والسياسي عقب صلاة الجمعة وتناسلت حملة تشكيك واسعة بانعدام الارادة السياسية للاصلاح وجدية الدولة في مكافحة شبكة الفساد بعد سبعة أشهر ويزيد على يناعة "الربيع الاردني".

خلال الأسبوعين الماضيين, بان مرة أخرى وكأن "العقل المدبر" للدولة يسعى لقوننة حماية الفساد والفاسدين قبل طي الدورة الاستثنائية بدلا من تركيز الضوء على التعديلات الدستورية عبر بوابة السلطة التشريعية, كيما يتفرغ الجميع لتجهيز قانوني الانتخاب والأحزاب والتحضير للانتخابات البلدية والبرلمانية. 

مرة أخرى انتهجت مقاربة فجّة, قاصرة وبدائية في إدارة اللعبة, التي اضحت مملة. مورست شتى صنوف الضغوط على مجلس النواب المشكوك- في شرعيته أصلا- لتغيير مواقف غالبية من عارضوا تغليظ العقوبات على "اغتيال الشخصية" في المادة 23 بمجرد مرور القانون, اندفعت المسيرات وتطايرت الاتهامات ضد النواب ومحاولة تكميم أفواه المواطنين والصحافيين. وامتلأت ساحات الفيس بوك والتويتر بخطابات التحدي مع نشر أسماء فاسدين مفترضين, في انفلات افتراضي قصد منه الناشطون أنه لا يمكن تكميم الإعلام. 

حاولت الجهات ذاتها اللعب مع مجلس الاعيان. لكن رئيسه طاهر المصري وغالبية الأعيان عارضوا ذلك وقرروا ترحيل مشروع القانون الاشكالي إلى الدورة العادية الثانية. ويبدو أن صمام الأمام هذا استهدف إبقاء الباب مواربا أمام تسويات اللحظة الأخيرة, ولكي لا يشتتوا الزخم الشعبي بعد إقرار التعديلات الدستورية. ويصب ذلك في حماية الملك, ونزع فتيل لغم سياسي على شكل اعتصامات وتحركات شعبية وسياسية كانت ستتهم مجلس الاعيان بدعم الفساد والفاسدين.

في اليوم التالي, رتب على عجل فطور عمل جمع الملك برئيسي مجلسي الأعيان والنواب, أعضاء المكتبين الدائمين ورئيس اللجنة القانونية في المجلسين. يحثهم على إيجاد صيغة أخرى للمادة 23 واعتماد نصا مشابها لها في قانون العقوبات.

هذا غيض من عشرات الهفوات التي وقعت خلال الشهور الماضية, لتعكس تداخلا فاضحا في عمل السلطات, فردية في صنع القرار وإصرار المتنفذين على فرض إرادتهم بالعصا والجزرة مكان الإقناع والحوار والتشارك في زمن الربيع العربي الذي غير علاقة الحاكم بالمحكوم إلى غير رجعة. كل ذلك يرفع منسوب القلق الشعبي والنخبوي حيال السؤال المليوني: إلى أين يهرول الاردن الذي يضيع الفرصة تلو الأخرى? بل يفشل في استثمار نوافذ الفرص التي ينتجها اشتعال الساحات المجاورة من تونس إلى دمشق. ولمصلحة من الاستمرار في تأزيم المشهد الداخلي, استغفال الأردنيين, اللعب بالنار وسياسة حافة الهاوية من دون احتساب العواقب- والهروب من "ورطة" الإصلاح السياسي التي قرر الملك تسريعها العام الماضي كخطوة استباقية لتداعيات رياح التغيير في المنطقة. 

المواطن بشكل عام لم يعد مقتنعا بأن ما تقوم به مؤسسات الدولة وشخوصها سيؤدي الى تهدئة الجبهة الداخلية وتمتينها, وبدء العمل بنهج سياسي يختلف عما أتبع خلال السنوات الماضية, والذي ينذر بدفعنا صوب الحائط? بل يرون في "المبادرات" مجرد لعبة أخرى لشراء الوقت لحين انجلاء صورة المنطقة. حال المعارضة السياسية التي نشأت في كنف الدولة ليست أفضل حال من وضع مؤسسات الدولة. فهي تفتقر إلى برامج قادرة على استقطاب الشارع أو تشكيل حكومة ظل على الأقل.

خلال الأشهر الماضية, تفنن المتنفذون في عمل كل شيء ممكن لكي لا يكسبوا أفئدة الأردنيين وعقولهم في رحلة الإصلاح المنشود, بعد سنوات من التخبط والالتفافات للإبقاء على سياسة الأمر الواقع وحماية مصالح نخبة ضيقة. حتى في برنامج الاصلاح السياسي بدا واضحا غياب خطة عمل واضحة تمر عبر مراحل بانسجام عالي المستوى بين مراكز النفوذ والبرلمان لتمرير خطة إصلاحية على مقاس متطلبات المرحلة وليس على متطلبات فئة من الدولة.

عنوان المكتوب تجلّى من البداية في آلية تعيين رئيس لجنة الحوار الوطني والتدخل لشطب أسماء معينة "ليست على قد المقاس" واستبدالها بشخصيات مجربة قادرة على ضبط الأمور ضمن الخطوط الحمراء الرسمية. ثم جاء التدخل في عملية صوغ الديباجة السياسية. خرجت اللجنة بتوصيات حول قانوني الانتخاب والاحزاب وقدّمتها لحكومة البخيت التي تعمل الان على إدخال تعديلات مغايرة. وشكلت لجنة التعديلات الدستورية برئاسة رجال دولة مجربين وإن كان غالبيتهم من لون واحد, ليجروا 41 تعديلا على "أبو القوانين".

في جوانب كثيرة, ادخلوا تعديلات مهمة وحصلنا على مكاسب حيوية مثل هيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات, محكمة دستورية, تقييد سلطة الحكومة في إصدار قوانين مؤقتة, محاكمة الوزراء أمام القضاء المدني, وكف أيديهم عن العمل بمجرد توجيه الاتهام إليهم. لكن هناك من يرى أن التعديلات وحدها لن تحدث تغييرات جوهرية ما لم ترافقها نوايا سياسية واضحة بفصل السلطات. مع ذلك ابتعدت اللجنة عن "التعديلات الكبرى" التي تطالب بها قوى اجتماعية وسياسية, خاصة تلك التي تتصل بصلاحيات الملك وآلية تشكيل الحكومات, وبالتالي رحلّتها للمستقبل, حين ننتخب مجلس نواب جديدا أكثر تمثيلا وشرعية قادرا على التعامل مع وجبة قادمة من التعديلات. 

قبل الملك التعديلات خلال حفل رمضاني مهيب وأرسلها للحكومة. كما طلب من مجلسي النواب والاعيان العمل على إقرارها قبل انتهاء الدورة الاستثنائية ما حرمهما من إدخال تحسينات وتعديلات عليها. وحصل سلق ولفلفة.

في الاثناء تتكشف فضيحة توزيع المكارم والأعطيات من رئيس الحكومة إلى نواب. وتأتي فضيحة تلقي النواب أوامر بالهواتف النقالة تحت قبة البرلمان كلما اقتربوا من مناقشة تغييرات على التعديلات الدستورية أو تهريب النصاب والدخول في نقاشات عقيمة. ويصر "العقل المدبر" على ظلم الشباب- غالبية المجتمع- من خلال تحديد عمر المترشح ب¯ 30 عاما بدل 25 . وفشل النواب في إقحام كلمة مساواة الجندرين في الشق المتعلق بحقوق وواجبات الأردنيين في الدستور- متناسين نصف المجتمع.

بموازاة هذه الدربكات تلجأ الحكومة إلى معالجة ملفات فساد بالتنسيق مع مجلس النواب بطريقة يشتم منها فساد أكبر واستهتار بحقوق المواطنين وواجبات من يجلسون على مقاعد السلطة. ما حصل في إغلاق ملف الكازينو خير دليل. وتستمر تداعيات ملفات مرتبطة بفساد كبير: "موارد غيت", "شاهين غيت", "فارس شرف غيت" نسبة إلى فضيحة الاقالة التعسفية لمحافظ البنك المركزي". لا يصدق عقل آدمي أن الدولة في عصر الثورات العربية لديها الجرأة لمحاربة من يريد مكافحة الفساد وليس محاربة الفساد. 

اليوم نسمع بتغييرات مرتقبة على مراكز القرار بما فيها الحكومة, مع أن المحصلة لن تتغير لأن آلية التعيين لم تتغير. من سيضمن ان الانتخابات البلدية والنيابية لم تكون نسخة كربونية عن سابقاتها حتى في ظل وجود هيئة لمراقبة الانتخابات والاشراف عليها? فمعظم التزوير السابق جرى تحت أنف الحكومات السابقة.

الانطباع المترسخ أن المتنفذين يعيشون في عالمهم الافتراضي. الأمر الوحيد الذي نجحت فيه الجهات المتنفذة هو تفجير فضائح ومعالجتها على نحو أكثر فضائحية, لتبيان حجم التفرد في صنع القرار ومضار تكسير مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية. عملية الاصلاح السياسي تجري على الشكل, ولا اللب. الماكنة ذاتها ما تزال تعمل بالاسلوب البدائي وباستخدام مطلق أدواتها: الحكومة, البرلمان والأجهزة الامنية. وعلى أصحاب القرار أن لا يصدموا في حال انفجر الوضع بين أيديهم لأتفه الاسباب. فما يحدث اليوم هو وصفة لانفجار مجتمعي مدعوم بفقر, بطالة وغياب محاسبة الفاسدين الذين نهبوا ثروات الوطن. 

حال الرسميين اليوم كحال صاحب الوجه المسن المترهل الذي يلجأ لتخفيف ذلك بإجراء عمليات تجميل, لكن مع كثرة تكرار الشد والتقادم في السن يتجه الجلد للتمزق. 

سيدفع الجميع ثمن سياسات الاستهتار. فما هو قائم على باطل سيبقى باطلا.

على الطرف الآخر, يبدو أن الجماعات الشبابية والعشائرية, حراك المتقاعدين العسكريين, التيار الإسلامي والقوى الحزبية الوطنية واليسارية عازمون على تصعيد حراكهم حتى تحقيق مطالبهم بمحاكمة رموز الفساد, إقالة الحكومة التي يعتقدون أنها تواطأت مع مجلس النواب في قوننة الفساد والفاسدين واللعب ضمن الخطوط الحمراء المرسومة سلفا لتمرير تعديلات دستورية غالبيتها شكلية لا تمس جوهر الإصلاح السياسي.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

شمس الاصيل21-09-2011

اخي الكاتب لا تنسى ان البخيت كان عسكري ويطبق على الشعب احكام عسكرية !!!!!!!!!!!!والله التبست علينا الامور حتى الحليم اصبح حيران ...لا حول ولا قوة الا بالله........
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.