فقيدنا الغالي

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-11-18
1223
فقيدنا الغالي
فهد الخيطان

 بينما تكافح مؤسسات الدولة، وبإرادة متواضعة، لفرض سلطة القانون التي استبيحت في أكثر من ميدان، يرفع عدد من النواب المحترمين الصوت مطالبين بعفو عام!
المذكرة النيابية بهذا الصدد جاءت في أسبوع شهد انتهاكات متعددة لهيبة القانون؛ اعتداء بالضرب على شرطة السير ومعلمين ومدراء مدارس وأطباء، وبعد أيام قليلة من تصريح وزير المياه والري، حازم الناصر، عما سماها اعتداءات فظيعة على خطوط المياه رصدتها الأقمار الاصطناعية.
مرتكبو مثل هذه الجرائم وغيرها يريد السادة النواب أن يشملهم العفو العام! الدول التي تلجأ إلى العفو العام، في العادة، هي التي تمر في ظروف عدم استقرار وحروب داخلية، تترتب عليها اعتقالات ومحاكمات لآلاف من مواطنيها. وفي مسعى من هذه الدولة لولوج طريق المصالحة واستعادة السلم الأهلي، تقدم على خطوات من قبيل العفو العام لفتح صفحة جديدة.
لا شيء من ذلك يحدث في الأردن، بل على العكس تماما؛ فالاستقرار الداخلي والسلم الأهلي صارا مهددين بسبب التراخي في تطبيق القانون، والتساهل مع منتهكيه. وإذا ما أخذت الحكومة بطلب نواب إصدار عفو عام، فإن ما تبقى من هيبة للقانون ستسقط نهائيا.
إذا ما دققنا في أسباب الظواهر السلبية في مجتمعنا، وفجوة الثقة بينه وبين مؤسسات الدولة، فسنجد أنها تتمحور حول سلطة القانون؛ هذا العزيز الغالي الذي افتقدناه منذ سنوات طويلة. انعدام المساواة في الفرص، والواسطة، والشكوى من انتشار الفساد، والتذمر من البيروقراطية في الدوائر الحكومية، والتراجع في مستوى الخدمات، والتلاعب في منح الوظائف؛ كلها مشاكل فرعية تعود لجذر واحد، هو عدم الالتزام بتطبيق القانون. ونجم عن ذلك كله ميل متنام عند قطاع عريض من الناس إلى انتهاك القانون وعدم احترامه في كل ما يتصل بحياتهم اليومية. فما يسيطر على تفكير الناس عند مواجهة أي مشكلة، هو كيفية الالتفاف على القانون لحلها، بعد أن استقرت قناعة وجدانية بأن القانون لن يعطيك حقك.
إن أسوأ ما فعلنا في الماضي هو اللجوء إلى خيار العفو العام لكسب التأييد، وتحقيق متطلبات الاستقرار. ولنعد إلى الوراء قليلا؛ فبعد آخر عفو عام، والذي مرت عليه سنوات، سجلت معدلات الجريمة ارتفاعا ملحوظا. وبالتزامن مع ذلك، بدأنا نشهد انتهاكات أكبر لسلطة القانون، وتكرست القناعة لدى الكثيرين بأن العفو كفيل بمحو أكبر جريمة يمكن أن تُرتكب.
والمؤسف اليوم أن من أوكل إليهم الشعب سلطة التشريع ومراقبة تطبيق القوانين وإنفاذها، هم من يسعون إلى إقرار تشريع يعفي منتهكي القوانين من العقوبة؛ وأعني النواب.
إن جوهر عملية الإصلاح في الأردن بكل أشكاله، الانطلاق من مبدأ سيادة القانون؛ فمن دونه لا مواطنة حقة، ولا حياة حزبية نشطة، ولا أملا يرتجى بانتعاش اقتصادي.
لم يكن مستغربا بعد أن فقدنا عزيزنا الغالي؛ القانون، أن نرى سائقا يعتدي على رجل أمن في الشارع العام، ويكيل له اللكمات في وضح النهار. لكن المدهش حقا أن تمر حادثة خطيرة كهذه من دون أن يتوقف عندها مجلس النواب والحكومة التي لم تعلق بكلمة واحدة. حادث مثل هذا في دولة تحترم نفسها، يستدعي تحركا عاجلا وحازما بحق مرتكبيه، ليعلم عامة الناس الكلفة المترتبة على من يتطاول على سلطة القانون وحراسها.
الدول تنهض وتتقدم بحكم القانون، وعلى الجميع بالتساوي؛ فيما تنهار وتفشل عندما تفقد هذه السلطة، أو تتنازل عنها لعموم الناس.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.