لا لهدر الوقت في المهاترات

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2014-11-18
1066
لا لهدر الوقت في المهاترات
الدكتور حسين الخزاعي

 عندما كلفت بتدريس مادة علم الاجتماع الثقافي خلال فترة تفرغي العلمي في الجامعة الأردنية ، حرصت على أن اخرج عن نص المادة التعليمية ، وعن الخطة الدراسية ، والكتب المملة المحشوة بالجمل والأسطر والفقرات ، وعلامات السكون ، والجار والمجرور، حرصت على أن اخرج طلبتي من دائرة الجمود ، وان ندرس الثقافات التي تميز المجتمع الإنساني ، فلكل مجتمع ثقافة معينة تحدد رؤيته وغاياته وترسم معالم هويته من خلال ما يحيط به من نماذج ثقافية مادية أو معنوية ، فالعلم والمعارف والأخلاق والقانون والفن واللغة والفكر والدين والعادات والتقاليد ، والعمران والبناء واللباس والثقافة ارث ينتقل عبر الأجيال ، والتجارب الناجحة مفخرة للشعوب ، وليس للتجارب الفاشلة إلا عالم النسيان تتناساها الشعوب كونها تعطل مسيرة حياتهم، وتخرج بسهوله من ذاكرتهم .

ساترك الجانب المعنوي والروحي للثقافة ، لأتحدث عن الجانب المادي ، وكيف يؤثر الجانب المادي في مسيرة الشعوب ، اخترت لطلبتي بعض النماذج العمرانية الشهيرة في العالم ، فصناعة ساعة" بيغ بن " المشهورة معلم كوني بارز ، فهذه الساعة الساحرة التي اشرف على تصميم برجها ومشروع عملها وتنفيذها وزير الأشغال البريطاني " بنجامين هول "، وبدأت عملها عام 1856 ، وهذه الساعة من عجائب الدنيا إذ تزن (١٢ ) طنًّا ونصف، و مثبتة في برج لندن، وتعتبر من أهمّ معالم مدينة لندن وبريطانيا، كما أنّها أشهر جهاز لقياس الوقت في العالم. وتشتهر السّاعة بدقّتها المتناهية في قياس الوقت، حيث يزن جرسها حوالي ثلاثة عشر طنًّا، كما يبلغ طول عقربها الأصغر تسعة أقدام وعقربها الأكبر أربعة عشر قدما، وتنظف مرة كل أربع سنوات .ويشرف على تنظيف عقاربها أربعة موظفين متخصصين ، ويقوم هؤلاء بتنظيف الواجهات الأربع للساعة البالغ ارتفاعها 96 مترا. سررت من طلبتي وهم يشرحون عن ساعة بيج بن ، وقد وجدتهم متفاعلين مبهورين يقدمون محاضرة عن مبنى إسمنتي سرعان ما تحولت المحاضرة إلى أهمية الوقت واحترام كل دقيقة من دقائقة وثوانيه ، هذه هي الرسالة التي أراد وزير الأشغال البريطاني إرسالها لشعوب العالم من خلال بريطانيا العظمى ، رسالة ثقافية ، تربوية ، سلوكية ، دينية ، إنسانية ، وهي احترام الوقت ، واستغلال كل دقيقة منه ، تذكرت ونحن على مقاعد الدراسة ، ونقرأ في كتب التاريخ ، ونتذكر هدية الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى إمبراطور الدولة الرومانية شارلمان عام ( 807 م) والتي كانت عبارة عن ساعة عجيبة ، وجال في خاطري كيف كانت حضارتنا وعلمنا ،كنا نصنع الساعات ونهديها للعالم ، واليوم نستورد الساعات والقيم والسلوك الحضاري من الشعوب الأخرى ، لنحترم الوقت والمواعيد ، ولنحترم وقت الآخرين، وخاصة من قبل من لا يحترمون الوقت ويسرفونه في طق الحكي - والخرط والعرط – وإشغال وقت الآخرين بقضايا تافهة لا تزيد المجتمع إلا مزيد من الهدر والضياع ، والدراسات العربية تؤكد إننا ننفق (7) سنوات من عمرنا في الحمام ، و (3) سنوات اجتماعات ، و( 10) سنوات في الأكل وما بعد الأكل ، و(15) سنة في انتظار وسيلة مواصلات حكوميه ، و(3) سنوات خرط وعرط على الموبايلات . و(3) سنوات بانتظار فرصة عمل ، و10سنوات تأهيل للزواج . و (82%) لا يراعون أدب الحوار ، واحترام الآخر ، والاعتداء الفارغ بالذات من غير منطق أو وجه حق فيا لها من محرقة للوقت كنز الحياة ونبض قلبها والشاهد الصادق على الفعل والأداء . 

وبعد ،،، تعود الذاكرة بي إلى سنوات، لتذكر مادة علم الاجتماع الثقافي ، والمحاضرة الحيوية حول ساعة "بيج بن" ، وأتذكر إني دعوت الله سبحانه وتعالى أن يمنح طلبتي الفرصة لزيارة ساعة "بيج بن "، وما أن أنهيت دعوتي حتى بادرني احد الطلبة سائلا ، هل زرتها يا دكتور ، قلت لا ، قال الله يطعمك وتزورها . وبعد سنوات تحققت دعوة الطالب وزرت لندن في زيارة علمية ، حرصت على زيارة موقع ساعة بيج بن ، ومدينة اكسفورد، وكامبريدج. وفي كل مدينة او ضاحية تبهر في منظر الساعات التي تزين جدار العمارات .

مسك الختام ،،،، المحزن المبكي عندما يهدر الوقت من قبل بعض الاكاديميين في الجامعات، وينشغل هؤلاء في – القيل والقال ونقل الكلام والإشاعات واختراع القصص والروايات والفتن داخل أجواء العمل – نقول لهؤلاء على قاعدة التذكير ، الوقت كنز ثمين، واحترام الوقت معيار تقدم الشعوب وازدهار حضارتهم ورقيهم ، لا تهدروا وقتكم واحرصوا على استغلاله في العمل المبدع والانجاز المميز. فالوقت من ذهب إن لم تدركه ذهب، وإذا ذهب لا تنفع الحسرة والندم ، فعقارب الساعة لا تدور للوراء !!!! 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.