كي نربح المعركة مع التطرف

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2015-02-15
1210
كي نربح المعركة مع التطرف
فهد الخيطان

 في المفاصل التاريخية التي تعرّض فيها الأردن لتهديدات وجودية، وتحديات خارجية وداخلية كادت أن تقوض النظام السياسي للبلاد، كان للوطنية الأردنية الدور الحاسم في تجاوز الدولة لتلك المخاطر والتهديدات. بفضلها خرج الأردن سالما من حقبة الانقلابات "القومية"، وبقوة الفكرة ذاتها عالج الأردن جراح السبعين، وجنب البلاد حربا أهلية.

لا أجد اليوم مناصا للانتصار في المواجهة مع تحدي الجماعات الإرهابية ذات الصبغة الدينية، غير خطاب الوطنية الأردنية. لكن ليست الوطنية التي عرفناها في الخمسينيات والسبعينيات، أو بالمفهوم الذي راج مع بدايات التحول الديمقراطي في التسعينيات من القرن الماضي، بل وطنية جديدة، متطورة؛ ديمقراطية ومنفتحة، تعني جميع الأردنيين من شتى الأصول. وطنية تؤمن بسيادة القانون، والعدالة، والمواطنة الحقة، وتنبذ الجهوية والإقليمية، والتمييز بين النساء والرجال.

بعد تفجيرات فنادق عمان على يد الجماعات الإرهابية، انخرط الأردن وبشكل مكثف في مواجهة دينية مع فكر الجماعات المتطرفة، وسعى بكل جهد لتصدير نموذج ديني معتدل ومنفتح، تُوّج برسالة عمان. لكن ماذا كانت النتيجة؟

تنامت مظاهر التطرف أكثر وأكثر في المجتمع، وانخرطت جموع كبيرة من الشباب الأردنيين في صفوف الجماعات المتطرفة، وزاد حضور الدين في السياسة على نحو غير مسبوق.

لقد منحت رسالة عمان الأردن سمعة طيبة في الخارج، لكنها لم تترك أي أثر في الداخل.

ما أود قوله أن خوض المعركة مع المتطرفين في الميدان الديني يعني خسارتها سلفا. نحن جزء من منطقة تعيش مرحلة صراع طائفي ومذهبي مرير. البيئة المحيطة بالأردن لا تسمح أبدا ببروز اتجاهات دينية معتدلة، وسط هذا الصدام الدموي بين الطوائف والمذاهب.

راقبوا مسار الأحداث في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر ولبنان. القوى المتطرفة من مختلف الاتجاهات الدينية هى الصاعدة حاليا، وفي المستقبل المنظور.

الأردن دولة صغيرة، لاتملك القدرة على تغيير مسار الأحداث، أو إعادة توجيه الصراع. أفضل ما يمكن أن تحققه هو حماية نفسها من مخاطر هذا الصراع.

في لحظة الخوف والقلق مما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع بعد جريمة "داعش" بحق الطيار الأردني، كانت الوطنية الأردنية بكل تجلياتها هى طوق النجاة. مشاعر الغضب التي تفجرت في الشارع، كانت مشاعر وطنية بامتياز، جمعت الأردنيين ووحدتهم من مختلف المشارب السياسية والأصول الاجتماعية، والدينية.

ليس مطلوبا أن نقحم أنفسنا في نقاش ديني وفقهي حول صحة فتوى ابن تيمية التي استندت إليها "داعش" في جريمتها. سنغرق في عالم التراث الديني، ونحن نبحث عن أسانيد ترد إدعاءات المتطرفين، ولن نخلص لشيء. فهذا الجدل عمره مئات السنين، والخلاف بين المدارس الدينية طويل وعميق، ولن يكون بمقدورنا حسمه لصالح التيار المعتدل.

إنه حقل شائك ولنتركه لأصحاب الاختصاص، دون أن نتوهم للحظة أن بالإمكان أن نبني عليه خطابا للدولة، يمكنها من دحر المتطرفين، فالمسافة بين التطرف والاعتدال في كل الأيديولوجيات تكاد لا تلحظ في الممارسة.

خطاب الوطنية الأردنية، هو الكفيل بتوحيد الأردنيين، لأنه ببساطة يجعل الهوية الوطنية فوق كل الهويات، وفي العادة تنحاز الأغلبية لهويتها الجامعة أولا وقبل أي شيء، فتربح المعركة. هكذا ربحنا في الماضي معاركنا، وعلينا أن ننقل معركتنا مع المتطرفين خارج الميدان الديني، كي نربحها.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.