كلام في الحمير !

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2015-06-01
1445
كلام في الحمير !
بسام الياسين

 ( لا احد يعتلي ظهر احد الا اذا انحى له.فالحمار،لا يُركبُ لانه حمار بل لانه مسلوب الارادة،فاقد المقاومة ، بينما الآدمي يُركب بمحض ارادته.الافضيلة في هذه الجزئية للحمار لانه تم تدجينة كخانع ،وتطبيعه على الركوب.ابن عمه، الحمار الوحشي ظل عصياً على الركوب ،لان البشر لم يفسدونه بالتطبيع.بقي يمتلك ارادته وحريته .فلا مخلوق بإمكانه ان يعتليه او يركبه طالما انه طليقاً في الغابة.

حمار نخبوي اطلق سراحه بعد ان انجز مهمات قذرة، لم يقبلها غيره،ظناً منه انه سيحظى بثقة سيده الابدية،لكنه رُفس خارج الخدمة شر رفسه عند استكمالها.مذاك لم يتوقف عن النهيق للتذكير بنفسه.حمار من فصيلته و على شاكلته، سبق ان وقع في و رطتة ورُفس مثله. بلع الموسى وآثر الصمت على البهدلة. فاسدى له نصيحة : ان انكر الاصوات صوت الحمير.رد عليه بثقة زائدة :ـ والله ـ لانهقن حتى آخر شهقة،و لارفسن من يعترضني حتى يُستجاب طلبي بالعودة الى زريبتي،فمن تذوق' حشيش الوظيفة العليا'،لا يستطيع الاقلاع عنها.ـ انا ـ مخلص لـ 'انا '،و لن افعل كغيري،بالانضمام للمعارضة ليرتفع سعري.لذا سابقى انهق حتى يجروني من رسني الى وظيفتي او يحملوني الى قبري...الكاتب) . 

**** يُستخدم الحمار للركوب والتحميل.كابد في هاتين المهمتين الشاقتين ابشع صنوف الشقاء،وتعرض للضرب و الاهانة رغم انه يقوم بعمله على اكمل وجه،الا ان صمته شجع الاخرين على التمادي عليه، حتى اصبح مثلاً ومثالاً في الصبر والتحقير. يُحكى في الاثر انه آخر من صعد الى سفينة نوح 'تواضعاً'،وكان طوال الرحلة البحرية هادئاً صامتاً،وكأن 'اللا' الاعتراضية سقطت من فمه،وابتلعها الطوفان. رحلة الطوفان علمته ادمان الـ 'نعم' وهز الرأس بالموافقةً.خصيصة خاصة اختص بها،وميزة فريدة امتاز بها، جعلته مطلوباً عند كافة الانظمة العربية.من هذا المنطلق اطلق عليه العرب ابو صابر لقدرته الفائقة على التكيف في أي موقع يشغله. فلا غرابة ان يفاجئك 'كُرٌ' صغير' بحصافته ونضجه،بينما يصدمك 'جحشُ' كبير بغبائه.فالصغير ينقلب في الخدمة الى ذئب قاتل، ليثبت كفآءته لمعلمه،فيما الكبير لم يبقَ في رصيده النفاقي سوى انه خادم امين،لا يبغي من عمله الا مرضاة سيده. 

شاءت الظروف،ان تهبط حمير سفينة نوح في كل موانيء الدنيا. كان اسوأها حظاً تلك التي هبطت في الموانيء العربية،اذ انها تعرضت للاذلال،رغم خدماتها الجليلة للبشر.وتحملت الاذى من دون ان ترفع راسها،او تنهق نهقة، وبقيت وفيةً من دون ان تنبس ببنت شفة ،رغم ان صوتها يُسمعُ عن بُعدِ ثلاثة كيلو ميترات، حسب الدراسات العلمية،لكن روح الاستسلام غلبت عليها،ولم تبدِ أي مقاومة ما عدا نهقة هنا ورفسة هناك دفاعاً عن شرفها ورد الاذى عن نفسها، لمن يبغي ركوبها بطريقة غير لائقة ولا مشروعة

الحمار بطبيعته مخلص لصاحبه،بالرغم من الظلم الذي لحق به. لا يحقد كجمل،ولا يدفن راسه كنعامة في الوحل عند المواجهة. اذ ان ابرز صفاته 'التناحة'. لا يبرح مكانه اذا تمسك برايه مهما نزلت العصي على ظهره.لا ينقلب على ولي نعمته حتى لو انقلبت الدنيا عليه،وليس متطلباً كالحصان.لم يطلب لنفسه سرجاً ولا حذوة،ولم يره احد 'يطقطق في فمه علكة' او يمضغ حبة شيكولاته.لكنه حذر كالجواسيس الروس،و شديد الملاحظة كعملاء الـ ' C.I.A '. معروف عنه علمياً وعملياً، انه لو سقط في جورة، فمن المستحيل ان يسير في ذات الطريق مرة اخرى.ولا جدال ان ذاكرته المكانية افضل من الانسان،حيث يعود الى مكانه الاول من المرة الاولى، مهما كانت الطريق بعيدة، وعرة،ملتوية، ومتقاطعة.ويبدو ان في دماغة خارطة ربانية كـ 'google earth' .لهذا استخدم الحمار قديماً'مهندسا' لرسم الطرق الوعرة والجبلية'.فكانوا يضعون على ظهره كيس تبن مثقوب ويتبعوا اثره.

حمار سيدنا العزير عليه السلام ، اشهر حمير التاريخ على الاطلاق،يليه حمار الحزب الديمقراطي الامريكي،مع ان بوش الابن الجمهوري، احق مخلوق في العالم بحمل لقب حمار،لانه ورط بلاده في حروب خاسرة.فمسخ هيبتها، ونقلها من دولة عظمى،قوية ودائنة الى دولة مهزومة مدينة.الغريب في الحمار، انعدام الروح القتالية عنده، وميله للسلم،ولم يذكر التاريخ عن مشاركته في حرب من الحروب ،عكس الحصان الذي شارك في كل الحروب.اكثر ما يسعد حمير العرب هذه الايام ،مشاركة الخيول زرائبها بعد ان ضمرت روحها القتالية،فاستبدلت ميدان القتال بخيمة السيرك لاضحاك الصغار ومضمار المراهنات لقمار الكبار بدل ساحات الحروب. 

السيرة الذاتية ( C.V ) للحمار في الوطن العربي،تشير الى تعرضه للاضطهاد على مدار تاريخه،على النقيض من جاره الحمار القبرصي الذي يعيش حياة اوروبية رغيدة.متمتعاً بحقوقه كاملة،ورعاية بيطرية متقدمة،و اقامة في اسطبلات لائقة ،وعند بلوغه سن التقاعد يمضي ايامه في مزارع خاصة ليموت بسلام. لاجل هذه المهمة تشكلت لجان للاشراف على دفنه بمراسم لائقة .في الوطن العربي، يحدث العكس، فعند بلوغ الحمار سن اليأس، الشيخوخة،المرض،العجز،فانه يُطرد من الخدمة،ليهيم على وجهه،ويقتات على المزابل،ناهيك عن البهدلة التي يتعرض لها لتحرش المراهقين به لتخلي ولي امره عن حمايته. 

في مصر الشقيقة،تجاوزت الامور حدود اللامعقول في التعامل مع هذا المخلوق الوادع المسالم. قبل سنوات، قام بعض 'الجزارين' بمذبحة راح ضحيتها مئات الحمير المشردة من دون احساس بالذنب بل ان بعضهم عبّر عن شعوره بالسعادة اثناء ذبحها وتقديمها للزبائن الفقراء على انها لحمة بلدية ' كباب..شقف...كفتة ' باسعار زهيدة.بعضهم تذرع امام النيابة العامة،ان ما فعله كان لإشعار هذه الطبقة المحرومة، انها بشر من حقها ان تاكل اللحمة،ولا تمضي حياتها محكومة بطبق الفول المؤبد. الجزارون كذابون بالطبع،لان ما يهمهم الربح بينما الفقراء لا بواكي عليهم و لا احد يشفق على جوعهم.

في السياق ذاته، نستذكر بالرحمة الفنان الانسان المبدع والمسرحي اللامع 'زكي طليمات' الذي قام في الثلاثنيات من القرن الماضي بتأسيس' جمعية الحمير المصرية' لرعاية حقوق نصف مليون حمار مصري آنذاك،والدفاع عنها.السؤال المرعب كم يبلغ اليوم عدد حمير مصر التي تعاني من جوع ومرض ومعاملة غير لائقة بعد ثمانية عقود،من رحيل زكي طليمات.ذات الاسلوب انتهجه العراقي 'عمر كلول' الذي اسس 'جمعية الحمير العراقية' عام 2005،و اطلق على المكتب السياسي لامين الحزب اسم 'خان'،و'الزرائب' على فروع الجمعية في المحافظات ،و'المعالف' على المجموعات الدعوية،اما الاعضاء فاطلق عليهم حسب اقدمية انتسابهم،و ترفيعهم الرتبوي : الجحش،الحمار الحاف،الحمار حامل الحذوة، الحمار ببردعة.

يوصف الحمار بالغباء.هذا غير دقيق،اذ ان له قدرة على التنبؤ بالاحوال الجوية لدرجة ان صحافة ' دولة عربية' مجاورة طالبت بتعيين حمار راصداً جوياً،بسبب تكرار الاخطاء في النشرات الجوية رغم توفر التكنولوجيا الحديثة لديها،فيما ذهب اخرون بالمناداة بتعيين حمار مذيعاً للنشرات الاخبارية لانعدام المصداقية فيها،اما الذين ينتقصون من قيمة ومكانة هذا المخلوق،نسألهم بامانة وحيادية :

* هل سمعتم ان حماراً اطلق النار داخل حرم جامعي،او طعن زميلاً بسبب نظرة خاطفة،او كلمة عابرة ؟!. 
* هل سمع احدكم قصة حمار سرق مؤسسته وفر بها خارج البلاد ام انه قنوع يكتفي بما يملأ معدته، ولا يسرق بحجم ضمة بقدونس، لو ان سهول حوران امامه مزروعة بالبرسيم،ولو كانت دون حراسة تمنعه او اسلاك شائكة تحد من تقدمه.
* هل قرأ احدكم مذكرات حمار يكذب فيها من الفها الى يائها،كما يكذب الساسة،ويقلبون الحقائق، ويزورن التاريخ في مذكراتهم،ويحولون المذكرات الى منصة مرافعة للدفاع عن تاريخهم الاسود،و تطهير ذممهم الغارقة في المال الحرام.مذكرات يكشفون فيها المكشوف،ويُعَرفّون المُعرف،بينما ' نقائصهم ومخازيهم' تظل حبيسة ادراج مؤسساتهم،وذاكرتهم المليئة بالافاعي،وذاكرة اللصيقين بهم ممن لا يجرؤون على الكلام عن افاعيلهم المشينة ؟!.

الحمار شخصية ودودة مطيعة خدومة غير مؤذية بينما بعض البشر يحملون في دواخلهم شخصية عدوانية لئيمة.اللافت في المشهد الاسود ان اكثر متصدري المشهد من عتاولة الساسة يحملون شخصيات متناقضة مزدوجة،تجدهم اثناء الخدمة،اشداء قساة قلوب، وبعد 'رفسهم'،ينقلبون الى شخصيات حاقدة معارضة،او منطوية معزولة، يبني الطير اعشاشه على رؤوسها،و يتغوط فوقها،من دون القدرة على هشها، لانها ادركت بانها خارج الوظيفة لا تساوي تعريفة مخزوقة.

لهذا آن الأوآن، لاعادة تعريف من هو الحمار؟.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

ماهي فضائيتك المحلية المفضلة:

  • التلفزيون الاردني
  • رؤيا
  • الحقيقة الدولية
  • الاردن اليوم
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.