التقاعد المدني: الأرقام صادمة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2015-10-15
2225
التقاعد المدني: الأرقام صادمة
جمانة غنيمات

 من التشوهات الحقيقية والمعيبة في الإنفاق العام، والتي تؤخر الحكومات الاقتراب منها كونها تمس امتيازات ومكتسبات مسؤولين، ذاك التشوه المتعلق بالتقاعد المدني. إذ تأتي حكومة وترحل من دون حتى أن تفكر بالقضية، رغم ما تستنزفه من موارد مالية كبيرة.

التقاعد المدني ما يزال مشوها وغير منظم؛ إذ فيه مكتسبات تُعطى من دون وجه حق للمسؤول. فأن يكون الشخص وزيرا لشهر واحد فقط، هو سبب كاف لحصوله على راتب تقاعدي مدى الحياة! وفي ذلك تطاول على حق الخزينة، وحقوق المواطنين دافعي الضرائب الذين يذهب جزء ليس بالقليل من أموالهم لتسديد فاتورة تقاعد الوزراء وكبار المسؤولين، حتى لو لم يخدم أحدهم البلد بمقدار راتب تقاعدي لشهر واحد.
إصلاح بند التقاعد يصبح أكثر إلحاحا في ظل الحديث عن إصلاح مالي ما يزال مجتزءا ونظريا، مع عدم النظر -إضافة لتشوهات أخرى بالتأكيد- إلى العبء الكبير الذي يلقيه على الموازنة العامة وبند الإنفاق الجاري تحديداً، وتواصل تضخم فاتورة هذا التشوه إلى مستويات خطيرة، لم يعد معها العلاج هيّناً.
وإن رغبت الحكومة الحالية في تحقيق إنجاز فعلي، فإن عليها اتخاذ مثل هذا القرار الإصلاحي الشجاع، بدلا من البحث في تفاصيل فرعية هامشية، لاسيما أيضاً أن لمثل هذه الخطوة بُعدا مفيدا على مستوى معالجة التشوهات المالية عموماً، بالتخلص من بند يستنزف الموارد عبر محاباة مسؤولين، تستفزّ بدورها المجتمع ككل.
بالأرقام، نما بند التقاعد خلال السنوات الخمس الماضية بشكل مطّرد وكبير؛ إذ زادت فاتورته بمقدار 420 مليون دينار خلال هذه الفترة. ففي العام 2010، بلغت فاتورة التقاعد نحو 744 مليون دينار، لتقفز إلى 862 مليون دينار في العام التالي، وصولاً إلى 982 مليون دينار في العام 2012. ثم تجاوزت هذه الفاتورة مبلغ مليار دينار في العام 2013، وصولا إلى 1.11 مليار في 2014. فيما يتوقع أن تبلغ 1.165 مليار دينار نهاية العام الحالي.
بند التقاعد ليس إلا نموذجا واحدا مستفزا لأشكال غياب العدالة والمساواة بين الأردنيين، وقد تأخر إصلاحه. إذ كانت الخطط تقضي بتراجع قيمته وصولا إلى اختفائه، أو انخفاضه لمستويات غير مكلفة.
لكن التسويف والتأجيل الحكوميين، بسبب تقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، كما بسبب الخشية من القرارات الإصلاحية الحقيقية، أديا إلى نتائج عكسية؛ بأن صارت فاتورة التقاعد تنمو وتتضاعف بمبالغ تؤخذ بغير وجه حق.
الزيادة في الفاتورة تتعلق بشكل أساسي بالامتيازات التي ما يزال كبار المسؤولين والوزراء يحصلون عليها. فليس صحيحا القول إن الارتفاع هنا ناجم عن النمو الطبيعي لهذا البند، لأن الزيادة الطبيعية لا يمكن أن تصل لهذه القيمة، بحسب الدراسات والأرقام المتوفرة.
ما يزال أمام حكومة د. عبدالله النسور متسع من الوقت لاتخاذ هذه الخطوة الشجاعة، ولتكون جزءاً من رصيد إنجازاتها، لاسيما أن ثمة وزراء في الفريق الحكومي يدعمون هذه الخطوة التي توقف نزف الموارد المالية بعيدا عن معايير العدالة.
بصراحة، العدالة تقتضي أن تُحسب خدمة المسؤول في الحكومة مهما علا منصبه، كجزء من مسيرة عمله، إذ يخضع الجميع لقانون تقاعد الضمان الاجتماعي؛ على أن يستحق التقاعد وفق المعايير العادلة المطبقة على الأردنيين كافة، من دون تمييز للمسؤول فقط لكونه شغل منصباً مهما وكبيرا.
والموقف الأخلاقي يقتضي من جميع المسؤولين دعم هذه الخطوة، وربما بمبادرة ذاتية؛ لتكون الرسالة الأهم هي مساعدة الموازنة العامة على حل مشكلاتها، وأيضا بث رسالة إيجابية للمجتمع بأن الحكومة تؤمن بالعدالة وتساوي الفرص بين الجميع.
النمو الكبير في بند التقاعد صادم. وفي حال لم يتم إصلاحه، فسيبقى سبباً في هدر الموارد، وتكريس حالة من غياب العدالة. ولنا أن نتخيل أن قيمة هذا البند ستصل قريباً ملياري دينار سنويا إن تأخر العلاج.
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.