ثوار مصر وشعبها بين بُعْبُع الاسلاميين وسطوة العسكر

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-10-30
1565
ثوار مصر وشعبها بين بُعْبُع الاسلاميين وسطوة العسكر
رنا الصباغ

 
المواطن المصري اللاهث وراء عيش كريم وفرص عمل في بلد مستقر آمن ليس مسكونا بهاجس بقاء العسكر في السلطة



وجد الجيش قياداته في لجّة الحياة السياسية منذ تنحي الرئيس حسني مبارك في شباط الماضي, وسط مخاوف متزايدة في أوساط الاحزاب السياسية التقليدية و"الحداثية" ونشطاء المجتمع المدني بأن تتحول مؤسسة العسكر من مدافع عن الثورة إلى عبء عليها كلما طال بقاؤها في السلطة - مستحضرين تجربة 1952 التي امتدت لستة عقود. 

تتعمق هذه الشكوك قبل أقل من شهر من أول انتخابات نيابية في عصر الثورة الجديدة, يفترض أن تكون حقيقية, حرّة ونزيهة. 

ورغم بروز بعض النتائج الايجابية مثل تضاعف الاحزاب السياسية المرخصة بمن فيها الاسلاميون, فإن الشعب الذى أشعل فتيل الثورة سعيا وراء - لقمة الخبز, حرية وعدالة إجتماعية- ما يزال في حال مواجهة مع السلطة الحاكمة. وتزداد القيود على الحريات وممارسة الحياة السياسية وسط تنامي الشعور بأن الحكومة الحالية عاجزة.

ومع أن تسعة من كل عشرة مصريين يعتقدون بأن الجيش نجح في إدارة المرحلة - بحسب استطلاع رأي نشر أخيرا- الا أن هذه المؤسسة باتت جزءا من المشكلة تطالها سهام النقد. 

صحيح أيضا أن المواطن المصري اللاهث وراء عيش كريم وفرص عمل في بلد مستقر آمن, ليس مسكونا بهاجس بقاء "العسكر في السلطة", بخلاف النخب والاحزاب السياسية التي انتقدت بشدة سلوك الجيش خلال أحداث ماسبيرو الاخيرة.

والتفسيرات متعددة. 

ثمّة مدرسة ترى أنه ليس من مصلحة أحد طرح ما يعمق الخلافات مع القوات المسلحة الآن تحاشيا لأي سيناريو قد يؤدي إلى الفوضى والتدمير. وتأمل هذه المدرسة في أن يتعلم الجيش من أخطائه الكثيرة.

مدرسة ثانية تتوقع أن يجد الجيش نفسه محرجا في المستقبل في طلب ضمانات لأوضاعه وامتيازاته الاقتصادية والمالية الموروثة, من المؤسسة السياسية المنتخبة. لذا, يحاول تطويع سياسات الامر الواقع, واللعب على وتر ترهيب المصريين من الفوضى والعنف, لكي يتحكم في مفاتيح المشهد المقبل عبر برلمان ضعيف ورئيس أضعف أو البقاء في السلطة لأجل غير مسمى. 

وهناك تيار ثالث يلاحظ بأن الجيش يتصرف بعقلية "الفزعة" من دون أي خطة عمل, وهو أقرب لمن وجد نفسه بين ليلة وضحاها ممسكا بكرة لهب, فإذا أبقاها في حضنه أحرقته وإن قذفها بعيدا أحرقت البلد.

لذا تراه يتخبط. ففي نهاية المطاف, يظل الجيش غير معتاد على التعامل مع المدنيين, وعلى الاجابة على اسئلة بسيطة تمس سياساته وتصرفاته أو استجوابات معقدة حول موعد عودته للثكنات وترك المسرح إلى سلطة مدنية منتخبة لإنجاح المرحلة الانتقالية وضمان تحقيق مطالب الثوار?

ويبدو أن المؤسسة العسكرية ما تزال عاجزة عن إدراك حجم التغيير الذي عصف بمصر. فمثلا, لم يتكلّف الجيش عناء الاقرار بأي تقصير أو سوء إدارة عند أي ضابط أو فرد في موقع ماسبيرو, طوال مؤتمر صحافي عقده ضابطان في المجلس عقب تلك المواجهات الدموية. 

لم يفهم بعد بأن خليط القوى الثورية ثار بالضبط على ما يمثله الجيش ضمنا وعلانية. فهي نهضة ضد الدولة الابوية والرعوية, وضد إبقاء المؤسسات الامنية خارج إطار المساءلة, وضد التحكم بالمشهد السياسي وبالحريات الاعلامية والمجتمعية وضد تداخل الحكم بالبزنس.

لذلك سيخسر أكثر كلما طال أمده في مقاعد السلطة الفعلية. فالمشكلات المتعددة التي تواجه إدارة الجيش لن تختفي بسهولة على وقع تراجع الوضع الاقتصادي, بسبب انخفاض عوائد السياحة وخوف المستثمرين وتعطل الكثير من القطاعات الحيوية. قرابة ثلث الشعب المصري تحت خط الفقر, والمعدل يتصاعد يوميا. 

تفتقر المؤسسة العسكرية لشخصية قيادية كاريزمية, وتحاول فعل المستحيل للحفاظ على مصالحها وامتيازات ضباطها الكبيرة (يدير الجيش أكثر من 18% من الاقتصاد المصري ويتكئ إلى شبكة مصالح مالية وحصة كبيرة من الموازنة العامة وامتيازات يتشارك في الاستفادة منها عدد من الضباط ورجال الاعمال). أكثر ما يحير الجيش هذه الايام قد تكون كيفية التعامل مع رئيس مدني بتطلعات ديمقراطية, ربما يفتح باب التدقيق في تمويل الجيش, مهماته وامتيازات ضباطه.

من هنا يبحث عن شريك سياسي "على قد المقاس": سواء أتى من داخل المؤسسة, أو من الاخوان المسلمين - القوى السياسية الصاعدة منذ الثورة- حزب الوفد أو فلول النظام. 

نشطاء المجتمع المدني صدموا قبل أيام من قيام تحالف "مصر فوق الجميع" برفع صور المشير محمد حسين الطنطاوي في بعض أحياء القاهرة والاسكندرية, مدشنا حملة للمطالبة بترشحه للرئاسة. يسعى مؤازرو المشير لجمع مليون توقيع بدعوى انه قادر على نقل البلاد صوب الديمقراطية, ومن بين أفضل المرشحين المدعومين من أمريكا وأوروبا. 

وفي ذلك تناقض واضح مع تصريح الطنطاوي قبل اسابيع بأن الجيش لا ينوي ترشيح أحد للانتخابات الرئاسية.

طويلة هي لائحة المآخذ التي يلام الجيش عليها; سواء إحجامه عن المبادرة, توقيف الرئيس السابق وابنيه جمال وعلاء, تعديل الحكومة وإبعاد رموز فساد عنها وهامش الحريات, الا تحت ضغط الشارع والتظاهرات المليونية والاضرابات الفئوية التي تجتاح البلاد. 

هذا الجدل ألقى ظلاله على جمهور شاب نخبوي شارك قبل أيام في منتدى متلفز من "مناظرات الدوحة" برعاية مؤسسة "قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع". في المناظرة تحت عنوان: "الجيش غير معني بإصلاحات سياسية حقيقية", عَبّر 85% من الحضور عن شكوكهم حيال قادتهم العسكريين وقدرتهم على ضمان عبور هذه المرحلة الانتقالية بأقل الاضرار. 

أبدت هذه الشريحة عدم قناعتها في نجاعة شهادة الجيش الاصلاحية, فيما استحضر مشاركون حالات إساءة داخل السجون, تدخلات في الاعلام ومحاكمات غير عادلة لمدنيين. (تمت محاكمة أكثر من 11 ألف مصري في محاكم عسكرية منذ الاطاحة بمبارك). 

على أن اللواء المتقاعد والدبلوماسي السابق سامح سيف اليزل رفض تلك الاتهامات. وأكد أن الجيش "قرر حماية الثورة منذ اللحظة الاولى, يريد تغيير النظام, وأنه لن يقتل مصريا واحدا. وأكبر دليل على ذلك وقوفه في مواجهة النظام السابق قبل سقوطه". 

إلى ذلك جادل بأن "الشعب أعطى الجيش حق استلام السلطة من خلال الثورة. وأن 70% من إجراءاتهم الان صائبة". 

عارضته في هذا الطرح هبة مرايف الباحثة بقسم الشرق الاوسط وشمال إفريقيا بمؤسسة "هيومن رايتس ووتش". وأكدت مرايف أن الجيش "لا يعرف معنى كلمة الاصلاح الحقيقي ولا يطبق القانون بشكل صحيح", مذكرة بأن لم تشهد فتح أي تحقيق مع أي مسؤول بالشرطة أو الجيش, يشبته في تورطه بعملية تعذيب أو انتهاك لحقوق الانسان. وخلصت إلى توصيف الوضع: "كما كان" لم يتغير. 

وطالبت مرايف بتغيير ثقافة الجيش في التعاطي مع الشعب. كما انتقدت نزوعه لوقف الاضرابات والوقفات الاحتجاجية التى ينظمها مواطنون للمناداة بمطالبهم. ووصفت استمرار العمل بقانون الطوارئ ومحاكة المدنيين عسكريا ب¯ "الاعتداء على الحريات" و"فشل" للمؤسسة العسكرية. واتهمت الجيش بمحاولة الاستئثار بالسلطة حتى حزيران 2013: "هذا بالفعل أكثر ما يخيفنا جميعا". 

هنا تدخل اللواء سيف اليزل لينفي طموح الجيش بالبقاء في السلطة أطول من اللازم.

زميله الثالث في المناظرة د. جمال عبد الجواد سلطان - أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الامريكية والمستشار بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- رفض تشبيه الوضع القائم بأنه تكرار لأحداث .1952

وأوضح أن الجيش كان يرغب في عدم تمديد الفترة الانتقالية. لكنه امتثل لضغوط كثيرة أثرت على الحكم مثل انتعاش التيارات الاسلامية والبلطجة التى انتشرت بشكل مرعب في مصر, وهذا يشفع ويبرر موقفهم في المرحلة الحالية, على ما يرى د. سلطان, معتبرا أن هذه العناصر تحول دون بناء توازن في المجتمع, والجيش يحدث التوازن المفقود من أجل إحداث إصلاح تدريجي. وقال يجب عدم تجاهل أن حكم مصر ليس سهلا بل "معقّد" للغاية سواء كان الجيش أو غيره. 

الدكتور محمد فهمي منزا عضو مؤسس لحزب "مصر الحرية" لفت من جانبه إلى أن الوضع الاقتصادي بات "مخيفا", في إشارة إلى السياسة الاستثمارية المنتهجة في مصر. وشدد على أن مصر تشهد "سوء إدارة, وما ينشده الناس هو فقط خطة زمنية واضحة لانتقال سلمي للحكم إلى سلطة مدنية". 

بانتظار ما يحمله المجهول إلى مصر, احيطت أجواء هذه الندوة الاشكالية بمتناقضين. إذ عُقدت داخل أحد استوديوهات التصوير الخاصة بعد أن سحبت الحكومة المصرية فجأة إذنا رسميا خطيا لتصويرها في البلدة القديمة. رغم ذلك شاركت فيها وسائل الاعلام الخاصة والعامة ونشرت أجواءها الساخنة.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.