رحم الله شادي أبو جابر

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2016-08-03
1353
رحم الله شادي أبو جابر
جمانة غنيمات

 بدلا من الانشغال بقضايا حقيقة تؤثر في حياتنا، وهي كثيرة؛ سياسية واجتماعية واقتصادية، وبدل قضاء الوقت في مواضيع مفيدة، ترانا نناقش وننظّر في قضايا لم تكن تخطر على بال، حتى قبل 1400 سنة! فتشعر إزاء ما يدور حولك بالخجل.

أيام وليال قضيناها مؤخراً "نتناقش!" ونُفتي بشأن جواز الترحم على الشاب الجميل المرحوم شادي أبو جابر، الذي توفي إثر حادث سير. ويعتريني أيما أخجل وأنا أكتب أن باب النقاش -وللأسف الشديد- فُتح على قاعدة أن الراحل الأردني مسيحي الديانة.

هكذا، اندلع ما يشبه "الحرب" على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ورافض للترحم على فقيدنا. والأخطر أن الخلاف ليس على قضية فكرية مستقبلية، بل على فتوى أقل ما توصف به أنها غبية، خرج بها بعض الموتورين، ليبدأ نقاش لا ينتهي، على عبثيته.

الموتورون المرضى بالطائفية، شتموا شادي عازف الغيتار، مستخدمين أسوأ الأوصاف، وبما يكشف تخليهم عن إنسانيتهم التي كانت تستوجب تلقائياً الإحساس بفقد الوطن ككل شابا صغيرا واعداً؛ وانشغلوا عوضاً عن ذلك بفتوى تحريم وتحليل الترحم عليه.

 وكثيرون لم يسألوا أنفسهم، في هذه المناسبة المفجعة بكل تفاصيلها، من أين جاء كل هذا التخلف؟ كيف خرج من بين ظهرانينا من يحمل كل هذا الحقد؟ أين كانت متخفية هذه الطائفية المقيتة، لدرجة انحدر الحال معها حد التكفير والإدانة بحق فتى لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، يعشق الموسيقى ويحب الحياة؟

ما أبشعنا وما أقسى قلوبنا، إن كان كل هذا البغض بداخلنا تجاه بعضنا بعضاً! العائلة المفجوعة بفقدها بدل أن تجد من يواسيها ويخفف عنها مصابها، تراها تتابع هذا الكم من الكراهية ينفثه أشخاص ليسوا أسوياء حتماً، ونجزم أنهم لا يعبرون عن مجتمعنا.

والأمل أن يعزي ذوي شادي الرد الأوسع والأعلى صوتاً، والذي جاء سريعاً، على أولئك الموتورين. إذ ظهر مباشرة صوت العقل والمنطق، دافناً بشاعات الطائفيين ومخرساً نعيقهم. وهؤلاء، وإن كانوا غير مدركين، لا يختلفون كثيرا في جوهرهم عن دواعش سبوا الأيزيديات وباعوهن في سوق النخاسة، ومارسوا القتل وجز الأعناق على الهوية.

الجدل طال واتسع، حتى خرجت فتوى من دائرة الإفتاء العامة، تؤكد لنا المؤكد! بأنه لا يجوز البحث والإفتاء في القضايا العامة التي تمس وحدة الشعب الأردني وتعايشه المشترك، وخاصة تلك التي تؤدي إلى إثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

وبالنسبة لتعزية المسلمين لغير المسلمين، فقد أشار مفتي عام المملكة الشيخ عبدالكريم الخصاونة إلى أن السُنّة أجازت تعزية غير المسلمين بوفاة ميتهم، وكذلك تقبل التعازي من غير المسلمين بوفاة المسلم، فضلاً عن مشاركة المسلمين لغير المسلمين أفراحهم وأحزانهم، كلٍ بصيغته الدينية.

أي عيب نفعل حين نعود للمس بالمسلمات؟! ويظل الأهم قبل الصدمة والاستغراب، أن نعود، مرة أخرى، لنسأل أنفسنا: كيف تسلسل هذا الفكر إلى عقر دارنا، وكيف تحول شباب صغار، أظن أن بعضهم لم يقرأ كتابا في حياته، إلى أوصياء على الدين، يتجرأون على التحليل والتحريم؟

وفي السؤال عن مصدر سم الطائفية الجديد علينا، تثور مجموعة أسئلة أخرى: كم ساهمت أحداث الإقليم في تولد مثل هذه الأفكار؟ وكم ساهم بعض المدارس والمساجد في نشر هذه الأخطاء التي تنحدر إلى مستوى خطايا؟ وهل ثمة علاقة بين المناهج ومحتواها وبين هذه الأفكار؟ وهل لذلك علاقة بغياب الأوعية الفكرية الحقيقية في الجامعات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني؟

رحل عن الدنيا شادي أبو جابر؛ الشاب المرهف الذي يصفه أصدقاؤه بالمهذب والرقيق. لكنه ترك لنا خلفه آلاف الأسئلة الحرجة والحساسة التي نحتاج إجابات شافية عنها، قبل أن يستفحل المرض لدرجة يستعصي معها العلاج.
رحم الله شادي. ولأهله ومحبيه صادق العزاء.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.