الرجل الدودة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-11-05
1708
الرجل الدودة
بسام الياسين

 مهداة الى “ابو صلعه جنان” الذي تعرض الى صدمة زلزلت كيانه،واسقطت شعر رأسه،فآثر العزلة،وانزوى في العتمة،ليعوي على الناس وينهش لحمهم.*

كان ناحلاً وممطوطاً، ذا رأس صغيرة يتأرجح يمنة ويسرة، مثل حية  سامة،ازدردت جرذاً كبيراً، استعصى عليها بلعه، وصوت مبحوح أجش كشبّابة خرجت من الخدمة لشروخ اصاب  بدنها، وإتساع في ثقوبها، حتى اصبحت انغامها ،نشازاً، تُطرم السامع، بدلاً من ان تُطربه. اللافت في الرجل الدودة ان حضوره مزعجاً لافراطه في التدخين واصابته  بنوبات شديدة من السعال،وزخات من رذاذ البصاق المختلط بالبلغم. .
»النق« على الآخرين اهم مميزات شخصيته المريضة،و اذا لم يجد احداً ينهشه او ينق عليه تناول اهل بيته.،لذلك وصفه معارفه بالحُطيئة الشاعرالذميم خُلقاً،الدميم خِلقةً،السيْ سمعة الذي لم يفلح من  الشعرالا في باب الهجاء،حتى انه تعرض لاقرب المقربين له،وتوج شعره بهجاء نفسه،وكأن الاية القرآنية “همازٍ مشاءٍ بنميم”نزلت به و تلبسه كجلده..
الرجل الدودة، لا يتوقف عن اطلاق دخانه كباص عجوز، جار عليه الزمن من كثرة الركوب، وقلة التزييت. أما ميوله العدوانية ،ونقمته على الناس والمجتمع ،جعلت منه  معجماً ناطقاً، بالبذاءات لدرجة  ان  لغته تنخفض  في مستوى  منسوبها، لتصل اغوار اسرار  عباد الله من المحصنيين والمحصنات،وتسبر حُرماتهم المكنونة،الغريب فيه انه لايفرق بين الأموات منهم والاحياء،ولا بين الذكور والنساء،فهو كمطحنة الشرايط “الطايح رايح”.
“الرجل الدودة” برع في احياء الاصطلاحات الساقطة من  سوق التداول، و الألفاظ الخارجة عن قواعد اللياقة والادب، واعاد لهما الحياة، وبث فيهما روح الدافعية لملائمة المرحلة الدودية التي يعيشها.
المشكلة لاتكمن في نطقه،بل تكمن ايضاً في صمته،وبلا عناء يمكن العثور على جمر الحقد المتأجج تحت رماد  سكوته الخادع، وأكتشاف  ابليس الهاجع في اعماقه، الجاهز لامداده بجيش من الشياطين المزودين بالذخيرة الحية من العبارات الوضيعة،والاوصاف الكريهة لنصرته في معاركه اليومية مع “مراقين الطريق” الذاهبين لألتقاط ارزاقهم.
عيناه الماكرتان تبرقان بالشماتة، كلما اصاب احد الناس فاجعة،لكن  ذروة سعادته ان يلطم في تشييع جنازة حتى وان كان لا يعرف صاحبها،ويكتم ضحكته الصفراوية،حين يشجع المشيعيين على الاسترسال في الصراخ،و النساء في شق الثياب ولطم الخدود. متعته الأكبر مشاطرة حفار القبور اهالة التراب على الميت، ومن هواياته   المفضلة مشاركة المطلقات السهر حتى الصباح،و تعداد نقائص طليق كل واحدة فيهن،وفصفصة البزر معهن،وقرآءة الفناجين لهن، أما لعبته المتقنة،الندب  مع الارامل، وتضخيم مناقب »الراحل« وكأنه فريد زمانه،ووحيد عصره، ليزيد من وجعهن ويُعمق شقائهن،رغم انه لم يلمح “المرحوم” مرة في حياته،بل اعتمد في لعبته على المعلومات التي اشتراها من صبيان الحي بحلوى مضروبة،والعاب بلاستيكية رخيصة.

هذا الدودي،زيادة في الانتقام من الناس ،عمل مخبراً على اقرانه في  المدرسة ،وزملائه في العمل،  وبرع في كتابة التقارير عن المصلين، وتحويرها بما يلائم طبيعته الانتقامية،وخاصة صلاة الفجر،فاذا سمع احدهم يناجي ربه “اللهم بدل أحوالنا بأحسن منها” او ضبط مصلٍ يدعو الله “يارب خذ الظالمين اخذ عزيز مقتدر” فإن غضب الله نزل على المناجي والداعي،حينذاك تتضاعف عدد صفحات التقرير،وتعلو نبرة لغته الكيدية .وقد تراه يشعر بالزهو،ويحس بالغرور ،لغياب ذينك الرجلين،وجرجرتهم للتحقيق جراء وشاياته المفبركة،فيدرك ان تقاريره فعلت فعلها السحري،وتزداد ثقته بنفسه، اذا تناهى الى اسماعه انهما فُصلا من العمل،وفقدا مصدر رزقهما.

  “الرجل المٍدَودِ” كما يحلو لاهل الله تسميته، موجود بأشكال ونماذج وملامح متعددة،وأماكن مختلفة ،لكنه واحد في سُميته الخطرة،و سعيه الدائم الى إستنبات الاشواك  في سرير الفرح ،وزراعة الالم في حضن السعادة ، بينما قمة سعادته ان لايرى احداً في سعادة،لذلك بات واجب الوجوب، حصار”الرجل الدودة” بين نعلين.

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :

نسيم الزعبي....اربد02-11-2011

صورة جميلة رائعة بالكلمات لانسان بائس قذر يعيش بيننا ويتجسس علينا ويفتن بين الناس ..الواجب هرسه تحت الاقدام....تحية للعراب على هذه النقلة النوعية والتفوق الكبير والانتقال من مرحلة النسخ كباقي المواقع الى مرحلة الابداع الذاتي والتفوق الحاصل في الآونة الاخيرة
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .

دودة02-11-2011

من الحرام ان ينعت من وصفت بالدودة التي خلقها الله لدور في حياة التربة وغناها ودورة الطبيعة ولكنني اصف من ذكرت بالعلقة التي تحيا في أمعاء البقر والدواب وأفواها عند سربها من المياه الاسنة لتعيش على مص دماءها وسرقة ما تأكل من أمعائها، وهي صورة عن من يهدد الوطن ويفتت الامة.ويقتا
رد على التعليق
capcha
: كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها .





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.