تونس تنتخب

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-11-02
1586
تونس تنتخب
طاهر العدوان

 هذا ما كان عليه شعار الحملة الاعلامية في تونس لانتخاب اعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد "تونس تنتخب". وهو يختلف تماماً عن عبارة "انتخابات في تونس". فالعنوان الجديد يوحي للقارىء بأن الاقتراع يجرى هنالك لأول مرة. بينما في الواقع, ان الانتخابات, تشريعية ورئاسية, كانت تجرى في هذا البلد بانتظام كل اربع وخمس سنوات.

في العالم العربي, يكاد يتفق الرأي العام عند جميع شعوبه على هدف واحد هو المطالبة باجراء "انتخابات برلمانية حرة نزيهة", رغم ان العرس الانتخابي كان يقام في جميع البلدان العربية منذ عهود الاستقلال قبل نصف قرن ونيف. ولهذا العرس مواصفاته الخاصة. فموافقة الشعب عادة تكون بنسبة 99.9 بالمئة في الانتخابات الرئاسية وبعضهم نال مئة بالمئة.

اما في اعراس انتخابات المجالس التشريعية والبرلمانية فحدّث ولا حرج, فلقد اكتسبت دوائر السلطة والأجهزة الأمنية مع الممارسة والخبرة وسائل جهنمية في اخراج "الحفلات الديمقراطية" التي تشبه الالعاب السحرية وانتاجها. فانت ترى كيف يقوم الساحر بقطع رأس المرأة الجميلة على المسرح, في حين انك تعلم بأن ما تشاهده مجرد حيلة تخدع العقل والبصر.

وبمثل ما اكتسبت دوائر السلطة في كل مكان الخبرة الواسعة في التزوير والقدرة الفذّة على حشد الجماهير طوابير أمام صناديق الاقتراع وفي الاحتفالات الحاشدة بالمناسبات للهتاف للزعيم مع علم الجماهير الأكيد بأن التزوير تَعدّى صناديق الاقتراع إلى تزوير المشاعر, (اي تَعَلّم المداهنة والنفاق والكذب). في المقابل اكتسبت الجماهير المعرفة اليقينية بأن لا وجود لانتخابات نزيهة في العالم العربي, لذلك, وبطريقتها الخاصة نجحت في تحويل أيام الاقتراع إلى مواسم بيع وشراء للأصوات, بقناعة لم تتزعزع بان قائمة الفائزين تُعَدّ سلفاً في مكاتب الأجهزة الأمنية.

من هنا نفهم معنى شعار "تونس تنتخب", فهي تخرج من قلب التونسيين ومن مرارة التجارب التي عايشوها في المواسم الانتخابية عندما كانوا يشاهدون بأم أعينهم كيف تُزوَرّ ارادتهم وتُسلَبُ حريتهم وكرامتهم في انتخابات صُورَية لا تعتمد فيها اساليب التزوير على تغيير الصناديق وصرف الهويات المكررة التي توزع على الاعوان كي يصوتوا عشرات المرات (للمحظيين) من المرشحين. انما تَعَدّت هذه الاساليب إلى تزوير القوانين الانتخابية واحتسابها بهتاناً على الديمقراطية!

قرأت لمن نَقَلَ عن مسؤول تركي قبل الانتخابات الأخيرة في بلاده بأن تركيا لن تسمح "بانتهاك شرف صناديق الاقتراع", وهو يعني ان العمل الذي يستهدف تزوير الانتخابات يصل في الحكم عليه بالجريمة التي تساوي انتهاك شرف الانسان.

اذاً, انتخبت تونس, وبشهادة دولية كانت انتخابات حرة ونزيهة, فمبارك للشعب التونسي ولثواره وابنائه الذين فازوا بأول اختبارات التغيير نحو الديمقراطية منذ بدء الربيع العربي. لقد استجاب لهم القدر وارتاحت روح شاعرهم الكبير ابي القاسم الشابي, عندما استردوا شرفهم وكرامتهم بان تمكنت تونس من ان تنتخب ولأول مرة منذ استقلالها تماماً وبالموازاة مع شعور المواطن التونسي بأنه يسترد انسانيته وكرامته. والنتيجة درس ديمقراطي رائد يقدم للعالم العربي, ولشعوبه, تستلهم منه التفاؤل والأمل بأن يأتي اليوم الذي تجرى فيه الانتخابات في كل بلد عربي من الشام الى مصر الى تطوان, بحيث يُحكم عليها بأن الوطن يَنتَخِب.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.