دمشق : لماذا قبل النظام بالمبادرة العربية؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-11-05
1479
دمشق : لماذا قبل النظام بالمبادرة العربية؟
عريب الرنتاوي

 ما الذي دفع النظام السوري للقبول بمبادرة الجامعة العربية، وهو الذي لم يترك فرصة واحدة تمر، دون أن يعبر بأقوى الكلمات عن رفضه لها، جملة وتفصيلاً...بل أن مجمل خطابه السياسي منذ اندلاع الأزمة، وحتى عشية القبول بالمبادرة، نهض على إنكار ونفي ورفض كل فكرة وفرضية وردت فيها ؟!.

وفقا لميشيل كيلو، فإن "شيئاً كبيراً" لا بد أن يكون حدث، لكي تغير دمشق مواقفها، وتقبل بكل ما سبق لها وان رفضته...أما ما هو هذا "الشيء الكبير"، فإن المرء لا بد أن يترك لنفسه وخياله العنان، للتنبوء بما يمكن أن يكون قد حدث، أو أوشك على الحدوث، حتى تغير دمشق "أقوالها".

في هذا السياق، تزدحم في الذهن جملة من الاحتمالات والسيناريوهات...منها أن العقوبات الاقتصادية قد أخذت تفعل فعلها، منذرة بجذب قطاعات أوسع من السوريين إلى حلبة المواجهة مع النظام، بالذات في دمشق وحلب اللتين "قاطعتا" الانتفاضة السورية حتى الآن...والمعلومات القادمة من سوريا، تنذر "بشتاء بارد " ينتظر السوريين في ظل شح الديزل (المازوت)، مادة التدفئة الرئيسة في البلاد، وارتفاع أسعار السلع ونقصها، وتراجع سعر الصرف، وحالة القلق التي تسيطر على الأسواق وحركة التجارة والمال والأعمال.

ومن هذه الاحتمالات، أن يكون النظام قد تبلغ كلاماً لا لبس فيه، وعلى شكل إنذار أخير، بأن المبادرة العربية، وفي هذا الوقت المحدد والضيق بالذات، هي آخر فرصة ممنوحة لـ "التعريب" قبل أن ينتقل الملف برمته إلى ساحات "التدويل"، بل ثمة ما يشير إلى أن المعلومات المتجمعة لدى النظام، جعلته يقتنع بأن إضاعة فرصة المبادرة، ستجعل من الجامعة العربية، غطاء ومظلة، بل وحصان طروادة، للتدخل الدولي.

ومن الاحتمالات التي لا يسقطها "التحليل السياسي"، أن أخلص أصدقاء النظام وحلفائه، قد أخذوا ينفضون من حوله، بعد أن أدار ظهره لنصائحهم وتحذيراتهم "الاخوية"، بل وبعد أن بدأوا يتحدثون في العلن عن "مجازر" و"قتل" و"عنف" يتعين وقفه، و"إصلاح" يجب تسريع وتائره...ينطبق ذلك على روسيا والصين مثلما انطبق على إيران وحزب الله.

ثمة ما يشي بأن النظام أدرك، وإن متأخراً، بأنه سائر على خطى القذافي، وأن السيناريو الليبي الذي طالما نفى أن تكون سوريا سائرة على طريقه، ربما يكون "السيناريو" الأكثر ترجيحاً في انتظاره...وهذا ما قد يكون دفع النظام للتخلي عن "إنكاره ومكابرته"، والجنوح لنداءات الحل السياسي والخيار التفاوضي.

على أية حال، وأياً يكن من أمر، فإن التغير في موقف النظام قد حصل، والعرب قدموا سلّماً للنظام ليهبط به من على قمة الشجرة...ولم يعد التراجع عن المبادرة أمراً سهلاً وممكناً...بل أننا نستطيع أن نجزم بأن كلفة التراجع عن المبادرة العربية الآن، ستكون أعلى من كلفة عدم القبول بها أصلاً، وسيكون بمقدور أطراف عديدة، سورية وعربية ودولية، أن تسعى الى إلزام القيادة السورية بما قبلت به ووقعت عليه، وسيكون لزاماً على النظام أن يعمل بنص المبادرة وروحها، قبل أن يواجه جبهات متسعة من الخصوم والأعداء.

سيعمل النظام من دون شك، على تفريغ المبادرة من كثير من مضامينها...سيعمل على تطبيق بعض بنودها وإسقاط بنود أخرى...سيعمل على تطبيق بعض البنود، بالحد الأدنى... سيعمل على تحميل الطرف الآخر، المعارضة بخاصة، وزر الفشل والتباطؤ والعرقلة بتنفيذ المبادرة...لكن "العين اليقظة" التي يمكن أن تبديها أطراف المعارضة والوسطاء العرب، ستجعل مهمة النظام صعبة للغاية.

لكن الخطر على المبادرة، لن يكون مصدره النظام وحده، هناك من لا يريد حلولاً للأزمة السورية....هناك من يريد توظيف الأزمة لخدمة أجندة أخرى، لا صلة لها بالإصلاح في سوريا...هناك من بنى "بيزنيس" على المعارضة، وسيجد مصالحه مهدده، إن سارت الأمور في طريق الحوار والمصالحة...وهناك من بنى قصوراً في الهواء، وبدأ يتصرف من الآن، كرموز وقيادات للعهد المقبل، كل هؤلاء لن يقبلوا بسهولة في أن يجنح النظام للقبول بمنطق الحوار ولغة الحلول السياسية.

الخطر على المبادرة متعدد المصادر و"المطارح"...ربما لأنها بارقة الأمل الأولى التي تحمل في طيّاتها بودار مخرج من نفق الأزمة المظلم...وربما لأنها آخر فرصة لسوريا قبل الانزلاق في أتون مواجهة، نعرف متى تبدأ وكيف، بيد أن أحداً لن يكون بمقدوره أن يعرف متى تنتهي وكيف.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :





الأكثر قراءة

هل تعتقد ان حكومة الملقي راحلة قريبا :

  • نعم
  • لا
Ajax Loader
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.