ومع استمرار الضغوط على المنظمة الدولية يلمس اللاجئون تراجعا في الخدمات المقدمة لهم، كما يستشعرون تهديدات متعددة في ظل تراجع في التمويل بدأ منذ سنوات لعدم التزام الدول بدفع التزاماتها للوكالة، وانتهى بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتخفيض تمويل المنظمة إلى النصف خلال العام الحالي.

للتهديد وجوه متعددة لا تقتصر على تراجع مستوى الخدمات المقدمة للاجئين أو انقطاعها، بل تبتعد إلى حدود خطرة وحساسة تصل في نهاية المطاف إلى زوال حق آخر من حقوق اللاجئين الفلسطينيين والذي يصب في مصلحة تصفية قضيتهم كملف سياسي كان يمكن التوصل فيه لحل نهائي يكفل لهم حق العودة إلى وطنهم فلسطين.

الحفر في قراءة خطوة تخفيض التمويل لوكالة الغوث يقود إلى نتيجة واحدة وهي أن القرار، على قسوته، لا يشبه قرارات ترامب غير المنطقية والمجنونة أحيانا، بل هي خطوة لئيمة لا تنفصل عن مخطط كبير لتصفية القضية الفلسطينية بأكملها ودفن حقوق اللاجئين من خلال القضاء على حق العودة.

الخطوة ليست بريئة ولا تنفصل عن قرار ترامب الأرعن الذي يقضي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، فالخطوتان متصلتان معا، ولا تنفصل إحداهما عن الأخرى، فكلاهما تحققان هدفا واحدا ألا وهو تمهيد الطريق أمام إسرائيل من أجل المضي في تنفيذ مشروع دولتها الحلم، والتي لا تكتمل أبدا ببقاء الأونروا ومضيّها في تحقيق أهدافها التي تقوم على تقديم عديد خدمات للاجئين، منها التعليم والصحة والبنية التحتية، ومساعدات أخرى للفلسطينيين في خمس مناطق، هي الأردن الذي يعيش على أرضه 2,3 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الوكالة، كما يتواجدون في لبنان وسورية وغرة والضفة الغربية.

اليوم ينعقد مؤتمر مهم في إيطاليا لبحث الملف، ومحاولة خلق مصادر دعم جديدة للوكالة علها تستطيع المضي في أداء دورها قبل أن يصيبها الشلل نتيجة تراجع التمويل وربما انقطاعه فيما سيأتي من سنوات مقبلة.

المؤتمر واللقاء يقوده الأردن الذي يتحمل العبء الأكبر في ملف اللجوء الفلسطيني.

التحليلات والعارفون ببواطن وتفسيرات الخطوة يرون أن خفض التمويل في البداية يقود إلى شلل في عمل الوكالة، وبالتالي نقل مهماتها إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهذا الأمر يحمل معنى خطيرا جدا.

خطورة هذا الأمر تكمن أساسا في تعريف أدوار المنظمتين والفرق الكبير بينهما؛ فوكالة الغوث نشأت من أجل رعاية وإدارة ملف اللجوء الفسطيني فقط، بينما تعنى المفوضية بخدمة باقي لاجئي العالم، وما أكثرهم.

الفرق الثاني، وهو الأخطر، فيكمن في أن الأونروا، وبموجب صلاحياتها، تمتلك حق توريث صفة اللجوء، الأمر الذي يضمن حقوق أجيال متعاقبة من الفلسطينيين ممن ولدوا في مناطق اللجوء، واستطاعوا أن يحملوا صفة اللاجئ، بينما هذا الأمر لا توفره المفوضية، ولذلك نتيجة واحدة وهي حرمان ملايين الفلسطينيين من حمل صفة لاجئ، وبالتالي إسقاط مبدأ حق العودة إلى وطنهم.

تذويب الأونروا ووأدها لا ينفصلان عن خطط لئيمة لإسقاط حقوق الفلسطينيين وفرض حل نهائي لقضيتهم ليس بين تفاصيله إنهاء حق العودة فحسب، بل وأن لا تكون القدس عاصمة أبدية لدولتهم.
صحيح أن وجه الأزمة مالي، ولكنها في أعماقها قضية سياسية وقانونية وإنسانية، ولا تنفصل عن سياق توجيه صفعة القرن للفلسطينيين وأحلامهم بدولتهم والعودة إليها.