المقال ينقل رسالة من قارئ لغليون مليئة بالغضب من مآلات الربيع العربي ودور المثقفين الذين دفعوا شعوباً – يصفها المرسل بأنّها غير مؤهلة للديمقراطية- إلى الثورة وطلب الحرية، فكانت النتيجة دماراً ودماءً وانقلابات، ويصل المرسل إلى نتيجة بأنّ الوضع السابق كان أفضل!

جواب غليون، كما هي حال أجوبتنا نحن معشر الإصلاحيين الداعين دوماً إلى الديمقراطية، تمثّلت بإحالة الثورات إلى شروطها الحقيقية من فساد النظام الرسمي العربي، وهو يركز على النموذج السوري، الذي وضع جرثومة الطائفية والتعصب في المجتمع، وفي التأكيد على أنّ هنالك تمايزاً في المجتمع بين طبقة تؤمن حقاً بالديمقراطية وطبقات أخرى لديها مفاهيم خاطئة عن الدين والديمقراطية والحرية والطائفية.

على أيّ حال، هذه الأسئلة تعيد مرّة أخرى فتح ملفات الربيع العربي، الذي من الواضح تماماً أنّه لم يكن غمامة صيف عابرة، كما يشتهى السياسيون المحافظون، بل هو لحظة انتقالية، لها ما بعدها، سواء كانت مراحل تحول ديمقراطي أو أزمات داخلية، وربما حروب أهلية وطائفية.

لكنّ في المحصلة من المهم أنّ ندرك بداية أنّ ثورات الربيع العربي لم تكن مؤامرة خارجية، وفي الوقت نفسه لحظة خاطفة، أو حتى نهاية لحقبة الاستبداد وبداية اللحظة الديمقراطية في العالم العربي، لأنّ التجارب جميعاً متعثّرة اليوم، سواء تلك التي تخطت مراحل خطرة، مثل تونس والمغرب، أو التي عادت عقوداً إلى الوراء، وربما قروناً، مثل مصر، أو التي دخلت في كارثة حقيقية من الحروب الداخلية والصراعات الدولية والإقليمية بالوكالة، كما هي الحال في سورية واليمن وليبيا.

صحيح أنّ وضع الحق على الربيع العربي والشعوب والمؤامرة الخارجية والتغني بالدكتاتورية والأنظمة الدموية هي أجندة كارثية بمعنى الكلمة، لا تقدّم جديداً سوى المطالبة بأن نبقى مخلوقاتٍ لا شعوباً لها كرامتها وحريتها. لكن – في الوقت نفسه- دعونا نعترف أنّ التيارات الإصلاحية تعاملت مع الديمقراطية والمطالب بالحرية والتحرر السياسي بقدر كبير من السطحية والسذاجة والرومانسية!
لا يعني ذلك – بكل تأكيد- الاستسلام للرؤية الاستشراقية التي تقول بأنّ الشعوب العربية غير مؤهلة أو مهيأة للديمقراطية والحرية، فذلك حكم بالإعدام المسبق ومصادرة آدميتنا، والقبول بالدونية. 

إنّما المقصود أن ندرك تماماً أنّ الديمقراطية لن تتحقق بين ليلةٍ وضحاها، وأنّ خريطة الطريق التي نرسمها للوصول إلى الأنظمة الديمقراطية والتعددية، التي تمثّل الحدّ الفاصل بين العبودية البشرية للحاكم والحرية الإنسانية الحقيقية، هذه الخريطة لا بد أن تقرأ جيداً التضاريس الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، وأن تفيد من تجارب الأمم والمجتمعات الأخرى، لأنّها عملية تاريخية مرحلية متعرّجة!

هذا ليس بدعاً من القول، لكنه تذكير بمقولات المدرسة الثقافية الإصلاحية العربية، التي وإن أخطأت في تجاهل الإصلاح والنضال السياسي، فإنّها توافرت على رؤية مُحكمة لأهمية الإصلاحات الدينية والمجتمعية والثقافية.