الذكرى الثالثة والخمسون لتعريب قيادة الجيش العربي اليوم

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-03-01
1024
الذكرى الثالثة والخمسون لتعريب قيادة الجيش العربي اليوم

إعداد مديرية التوجيه المعنوي بالقيادة العامة للقوات المسلحة

 جاء قرار تعريب قيادة الجيش العربي تجسيدا لطموحات الأمة والشعب في التحرر من السيطرة الأجنبية وتتويجا لنضال البناة الأوائل من آل هاشم الأخيار وحرصهم على بناء جيش قوي يدافع عن مكتسبات الوطن ومنجزاته, فكان الانجاز قوميا عمَّق مشاعر الحرية والنهضة لدى الاردنيين جميعاً وفتح للأمة كلها آفاقاً رحبة من الصبر والتحدي والإصرار على الانجاز لتحقيق الغايات والأهداف.
 
ففي هذا اليوم من أيام الوطن وانجازات قيادته وشعبه تحملنا ذاكرة الأيام إلى عقود خلت حيث كان فيها صوت الحسين مدويا ومعلنا قراراً قومياً وتاريخياً وسيادياً أضاف صفحة ناصعة للتاريخ الأردني العابق بالمجد والحرية وكان للحسين بصماته الواضحة في استكمال القرار السيادي للمملكة الأردنية الهاشمية عندما أعلن وبصوته الهاشمي إنهاء خدمات الفريق كلوب من قيادة الجيش العربي حيث قال (أيها الضباط والجنود البواسل أحييكم أينما كنتم وحيثما وجدتم ضباطا وحرساً وجنوداً, وبعد فقد رأينا نفعاً لجيشنا وخدمةً لبلدنا ووطننا أن نجري بعضاً من الإجراءات الضرورية في مناصب الجيش فنفذناها متكلين على الله العلي القدير, ومتوخين مصلحة أُمتنا وإعلاء كلمتها وإنني آمل فيكم كما هو عهدي بكم, النظام والطاعة...).
 
الأول من آذار 1956 كان قرار التعريب فاتحة خير لأمة العرب لتنهض من سبات طويل وتبعية تعددت أشكالها, ففي هذا اليوم ارتسمت الفرحة الغامرة على جباه أبناء الأسرة الأردنية الكبيرة كلها بقرار جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه الشجاع الذي خلص الأردن من السيطرة الأجنبية حينما أصدر قراره التاريخي بانهاء خدمات الفريق كلوب من منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني وإسناد هذا المنصب إلى ضباط أردنيين نشأوا وتربوا فوق هذا الثرى الطيب حيث قدموا ما بوسعهم في سبيل رفعة هذا الجيش ومنعته وقوته ليكون جيشاً لكل العرب.
 
وخطوة التعريب جاءت في مقدمة عهد جلالته -رحمه الله- حيث ظلت هاجسه الوطني منذ أن كان تلميذاً في الكلية العسكرية في ساندهيرست حتى تسلمه سلطاته الدستورية ليعيد لهذه الأمة حريتها وإرادتها وللقوات المسلحة مجدها وثقتها بنفسها للقيام بواجباتها الجسام الملقاة على عاتقها تجاه وطنها وأمتها ومقدساتها.
 
وفي كتاب مهنتي كملك يتحدث جلالة المغفور له حول هذه المناسبة الغالية فيقول: تعود اولى تجاربي كملك للاردن إلى عام 1956 فإنهاء خدمات الجنرال كلوب بعد خدمة في الأردن بلغت ستة وعشرين عاماً كانت حدثاً هاماً جداً وينبغي أن يكون المرء أردنياً او أن يعرف مشاكل بلادي معرفة عميقة ليتسنى له ادراك اهمية هذا الحدث اذ توجد دوماً في تاريخ البلدان الصغيرة لحظات حاسمة يتوجب على المرء فيها أن يكبح جماح عواطفه الشخصية وأن يطلق العنان للموضوعية, وكثير من الناس من اخذ علي بمرارة هذا الحل المتطرف, ولقد أول موقفي تأويلاً خاطئاً جداً على انه اهانة متعمدة اصيب بها الحلفاء الغربيون وهذا التأويل ما هو الا محض اختلاق.
 
وباستعراض أحداث تلك الأيام التي حوت القرار الشجاع لجلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة رحمه الله ومجريات تلك الاحداث التي شهدت ازاحة القيادة الاجنبية وجلاء الضباط الانجليز والخلاص من آخر وأهم صور الانتداب الذي لم يخطر بباله مثل هذا القرار نرى أروع الصور للتصميم والصرامة والقوة في اتخاذ القرارات التي تخدم الأمة.
 
ففي صباح يوم 29 شباط 1956 وصل جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه إلى الديوان الملكي في ساعة مبكرة مرتدياً بزته العسكرية وفي عينيه تأهب وتحفز وتحدٍ للزمن ليلتقي يومها رئيس الأركان وبدأ جلالته حديثه مستوضحاً منه عن رأيه في تعريب قيادة الجيش العربي الأردني وكان رد (كلوب) أن هذه المسألة ليست بالسهولة. ويقول جلالته في كتابه مهنتي كملك: ولما كنت خادماً للشعب فقد كان علي أن أعطي الأردنيين مزيداً من المسؤوليات وكان واجبي ايضاً أن أُقوي ثقتهم بانفسهم وان أرسخ في أذهانهم روح الكرامة والكبرياء القومي لتعزز قناعتهم بمستقبل الأردن وبدوره ازاء الوطن العربي الكبير, فالظروف والشروط كانت اذا ملائمة لإعطائهم مكاناً أكثر أهمية في تدبير وإدارة شؤون بلادهم لا سيما الجيش, ولكن على الرغم من أن كلوب كان قائداً عاماً للجيش فلم يكن بمقدوره أن ينسى اخلاصه وولاءه لانجلترا وهذا يفسر سيطرة لندن فيما يختص بشؤوننا العسكرية وقد طلبت مراراً من الإنجليز ان يدربوا مزيداً من الضباط الأردنيين القادرين على الارتقاء إلى الرتب العليا وكان البريطانيون يتجاهلون مطالبي.
 
وقد أثارت هذه التراكمات حفيظة جلالة الملك وزادت من إصراره على إنهاء خدمات القيادة الإنجليزية بأي شكل وأن هذا الأمر يجب أن يتحقق مهما كلف الثمن وبأقرب وقت وبلا تراجع, فجلالته كان على علم تام بما تخطط له القيادة الانجليزية حول التخلي عن هذا الأمر للضباط الأردنيين ومتى يمكن أن تفكر بهذا الموضوع أو تطرحه للنقاش.
 
وجاء رد الإنجليز بان سلاح الهندسة الملكي في الجيش العربي سوف لن يستطيع أن يتولى قيادته ضابط عربي حتى عام .1985
 
ويزداد انفعال جلالته من هذا الموقف, حيث حاول مراراً وتكراراً أن يسلح الأردن بقوة جوية خاصة وكما يقول: اذ لا يعقل أن نكون تابعين لبلد اجنبي من اجل تأمين الدفاع الجوي لسمائنا ضد عدو كاسرائيل مجهزة بقوة عسكرية جوية هامة إن وضعاً كهذا لا معنى له فما دام الجنرال كلوب عاجزاً عن تغيير الواقع فانه سيشجع الضباط العرب والبريطانيين على قبول فكرة التخلي عن جزء من التراب القومي في حالة الهجوم لقد كان يؤكد اكثر من مرة في المحاضرات التي كان يلقيها على الضباط بأن إسرائيل بحكم أنها أقوى من العرب فإن من الوهم أن نقاتل على الحدود.
 
وبادر جلالة الملك طيب الله ثراه رئيس الأركان بسؤال أخير عن رأيه في فصل الشرطة والدرك عن الجيش, فجاء رد كلوب باستحالة ذلك وإن هذا يتعارض مع الصالح العام. ولكن الحسين رحمه الله كان ينظر الى موضوع التعريب بغير ما يفكر به الجنرال كلوب كان الحسين يتطلع الى التعريب أنه الخطوة التي لابد منها مهما كان الثمن, فلا يعقل بأي شكل أن ينعم وطن بكامل استقلاله وقيادة جيشه الذي يحمي الاستقلال ويصونه بيد غير أبنائه, فأبناؤه يدركون أن بناء الأوطان وحريتها تهون دونه المهج والأرواح.
 
مرت لحظات صمت وجلالة الملك الحسين مقطب الجبين وفي داخله أشياء وأشياء.... بعدها عبَّر رئيس الأركان عن نيته إخراج عدد من الضباط من صفوف الجيش... ووقف جلالته فجأة اشعاراً منه بانتهاء المقابلة ثم قال: على كل حال سنتحدث في هذا الموضوع مرة قادمة.
 
أجوبة خطيرة أرادها الحسين أن تكون الأخيرة وفي الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم اتصل برئيس الديوان الملكي وأمره ان يذهب لمقابلة رئيس الوزراء وينقل اليه رغبة جلالته في فصل الشرطة والدرك عن الجيش واتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
 
وعقد الحسين رحمه الله العزم تجاه بريطانيا التي كانت تريد أن تتصرف بمقدرات الأردن حسب ميولها ونزعاتها, فكان القرار وهو الأمر الذي فكر فيه جلالة المغفور له منذ كان طالباً وقرر ان يضع حداً لكلوب وتدخلاته بانهاء خدماته, وكان يفكر ملياً أن عليه أن يعطي الأردنيين مزيداً من المسؤوليات لكي يقوي ثقتهم بأنفسهم وأن يرسخ في أذهانهم روح الكرامة والكبرياء القومي لتعزيز قناعتهم بمستقبل الأردن وبدورهم ازاء الوطن العربي الكبير.
 
إنها الخطوة الجريئة التي اقدم جلالته رحمه الله على اتخاذها والتي قابلها الشعب والجيش حباً بحب وولاء بولاء فأزالت عن الأردنيين هماً كبيراً وعززت ثقتهم بقائدهم الشاب وسداد رأيه وحكمته وبعد نظره, وبأنهم مع هذه القيادة الملهمة قادرون على تحقيق الآمال والطموحات التي قامت لأجلها ثورة الآباء والأجداد لانتزاع الحرية والحياة الحرة الكريمة.
 
وسطر جلالته في صفحات التاريخ خطوة مباركة وجريئة وقراراً مجلجلاً في الداخل والخارج, وليكون بذلك نهاية المعاناة وولادة المستقبل. ومع صباح يوم الخميس الأول من آذار عام 1956 أصدر جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه أمره لرئيس الديوان الملكي ورغبته في عقد جلسة لمجلس الوزراء يرأسها بنفسه ونفذ الأمر الملكي في الحال لتنتهي جلسة مجلس الوزراء بإصدار قرار يحمل الرقم (198) حيث تقرر فيه إنهاء خدمة الفريق كلوب من منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني وترفيع الزعيم راضي حسن عناب من أبناء الجيش العربي الأردني لرتبة أمير لواء وتعيينه في منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني.
 
كما أدت خطوة تعريب قيادة الجيش الى توظيف جميع قدرات الجيش وامكانياته لخدمة أمن الوطن وصون حقوقه والمحافظة على ترابه ومكتسباته, كما مكن القرار صانعه جلالة المغفور له الملك الحسين من بناء مؤسسة عسكرية حديثة امتازت بالانضباط ومشاركة القوات المسلحة بالخطط التنموية وبناء الوطن والمشاركة الفاعلة لجيشه في رفد مسيرة البناء والعطاء والمساهمة في بناء قدرات أبنائه وتأهيلهم في شتى مجالات العمل ليكونوا بحق الذين أرادهم الحسين ومن أجلهم اتخذ قراره التاريخي.
 
وبعد فإن أبناء القوات المسلحة الأردنية وهم يتفيأون ظلال هذه الذكرى العطرة فإنهم يبتهلون إلى المولى عز وجل أن يشمل بمنه وكرمه جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال بواسع رحمته ورضوانه, وسيذكرون دائماً صاحب القرار الشجاع والخطوة الجريئة التي كان لها كبير الأثر في بناء الجيش المصطفوي ويعاهدون قائده الأعلى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين على أن يبقوا درع الأمة وأملها في الدفاع عن الحق وصون الكرامة, يعملون بكل ما أتاهم الله من قوة وعزم في سبيل الحفاظ على أمن واستقرار الوطن جنوداً أوفياء ورجالاً أقوياء يسيرون على ذات النهج وذات الطريق سائلين العلي القدير أن يحفظ جلالة القائد الأعلى سنداً وذخراً للأمتين العربية والاسلامية, إنه نعم المولى ونعم النصير.
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.