الاسلاميون وحركات التغيير العربية

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2011-08-06
1449
الاسلاميون وحركات التغيير العربية

 عندما نتحدث عن الإسلاميين في حركات التغيير العربية الجارية نقصد بهم بالدرجة الأولى الإخوان المسلمين ومتفرعاتهم، ثم السلفيين الذين بدأوا يتدخلون في المشهد السياسي في مصر بالذات، وربما في ليبيا (؟). أما الإخوان المسلمون أو جماعات الإسلام السياسي المتفرعة عنهم أو التي تشبههم في التفكير والسلوك، فحراكهم ظاهر الآن في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن والأردن. ومع أن ظروف هؤلاء وأحجامهم في البلدان السالفة الذكر مختلفة وأحيانا متباينة، فإن أي فريق منهم ما بادر إلى إطلاق الحراك الجاري الذي تحول إلى ثورة عارمة. فالشبان المدنيون - أي الداعون إلى الحرية والكرامة والعدالة ومكافحة الفساد والاستبداد - هم الذين بادروا إلى التحرك في تونس ومصر وسوريا واليمن. وما تحرك إسلاميو حركة النهضة في تونس إلا بعد سقوط بن علي. وانتظر إخوان مصر نحو أسبوع حتى تأكدوا من ضخامة الحراك وتعذر قمعه بسبب موقف الجيش منه. أما الإخوان في اليمن فهم حزب مشروع تحت اسم الإصلاح، وداخلون في اللقاء المشترك للأحزاب المعارضة. وقد دخلوا في الحشود بعد شهر على الحراك هناك، لكن قيادتهم لا تزال تعمل ضمن أحزاب اللقاء المشترك، وتتفاوض على المبادرة الخليجية فالمبادرة الدولية. أما في سوريا فإن قيادة الإخوان في الخارج ظلت تصدر بيانات بعد شهرين من بدء الحركة الثورية تقول فيها إنها لا تملك تنظيما بالداخل، وهي تريد ما يريده جمهور الشعب السوري من إصلاح وديمقراطية.

ماذا يعني هذا كله؟ هذا يعني أن الحركات والأحزاب الإخوانية، التي كانت جميعا في مواقف ووقائع المماحكة والمعارضة مع الأنظمة، ما كانت تملك أطروحات تغييرية أو ثورية جذرية (= تغيير النظام)، كما أنها ما كانت منفكة عن الأنظمة القائمة. لكنها كانت بارزة وذات جمهور بسبب انقفال الأنظمة واستبدادها، وبسبب تمرد الجهاديين على تلك الأنظمة. وهكذا فقد مثلت مدى متوسطا بين النظام والجهاديين، لأنها رفضت ممارسات الأنظمة القمعية، ورفضت ممارسات الجهاديين الانتحارية. ولذا، وعلى الرغم من دخولها القوي في المجال السياسي والعام، وقولها بالحاكمية، ظلت أدنى إلى الحركات الأخلاقية ذات المنزع القائل بحداثة إسلامية أو مؤسلمة، شأن الحركات الاجتماعية المحافظة في البلدان الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.


إن كل تلك الحركات، وسواء أكانت مشروعة تماما مثل حالتي اليمن والأردن، أو شبه مشروعة مثل مصر وليبيا، أو محظورة تماما مثل سوريا، فوجئت بأمواج الشبان المتدفقين على ساحات المدن الكبرى مثل مصر، أو المدن المتوسطة والريفية مثل تونس واليمن وسوريا. ولذا فقد انتابها جميعا التردد والحيرة. فقيادة حركة النهضة التونسية في الخارج كانت متأكدة من أن حركات الشبان لن تنجح، ولذا فقد حرصت على عدم اتخاذ موقف حتى لا يتعرض أنصارها لموجات قمع جديدة بعد فشل التحرك. أما القيادة العجوز لإخوان مصر فكانت على تواصل مع جهات بالداخل والخارج لمنع التمديد لمبارك أو توريث ابنه جمال. ولذا لم تدرِ من أين جاء هؤلاء الشبان، وبخاصة أن بينهم ألوفا من الأقباط. وقد سبقها بعض شبانها إلى الميادين، واضطرت إلى اللحاق بهم لكن بعد الاطمئنان إلى موقف الجيش! بينما رأت قيادة الإخوان اليمنيين أنه لا داعي لمشاركة الشبان الذين خرجوا في تعز، وبخاصة أن أحزاب اللقاء المشترك، والقبائل، رأوا التريث والتفاوض مع علي عبد الله صالح ثم مع مجلس التعاون الخليجي. ومع أن قيادة إخوان سوريا في الخارج سارعت إلى إصدار بيان عن أحداث درعا، واضعة نفسها تحت سقف التحرك التركي، فإنها طالبت أنصارها بعدم المشاركة لنحو الشهرين، من خلال القول إنها لا تملك تنظيما بالداخل! وبالفعل فإن النظام السوري ما حمل في الأسابيع الأولى على الإخوان، بل على السلفيين والإرهابيين والمندسين من المخربين!


لقد مضت على انطلاقة حركات التغيير الشابة في بلدان الجمهوريات الوراثية الخالدة على الخصوص نحو الشهور السبعة. والإخوان المسلمون يشاركون الآن في كل الساحات والبلدان. لكن الموقف الشعبي والنفسي والسياسي والاجتماعي يختلف تماما عما كان عليه قبل انطلاق الثورات الشبابية المدينية والريفية. فقد كانت الشوارع خالية من الجمهور حتى مطلع العام الحالي. وكان السائد تلك الثنائية المدمرة: الأنظمة الجمهورية الاستبدادية المغلقة من جهة، والمعارضات الإسلامية الانتحارية (مثل «القاعدة» والجماعة الليبية المقاتلة... إلخ)، والأخرى السياسية/ الأخلاقية مثل الإخوان المسلمين وحركة النهضة وحركة السلم والعدالة والتنمية... إلخ.


ولذا فإنه وبمجرد عودة الجمهور إلى الشارع، ما تزعزعت الأنظمة فقط؛ بل كمنَ الجهاديون للتآمر، وتقوضت إلى حدود بعيدة جماهيرية أهل الإسلام السياسي وفي طليعتهم الإخوان. فالشبان هم الذين يطالبون بتغيير الأنظمة، وهم الذين يتحملون الأعباء بالتعرض للقتل والاعتقال. ثم إنهم هم الذين يحملون القيم ذات المعنى المدني والمستقبلي ويستشهدون من أجلها دون أن يلجأوا إلى أية وسيلة عنيفة. وهكذا فقد اكتسبوا شعبية كاسحة، وهذا فضلا عن التطلع الدولي الأميركي والأوروبي إليهم باعتبارهم الشركاء المحتملين والمفضلين، وإن يكونوا قد فوجئوا بهم كما فوجئ بهم الإسلاميون. فخلال الأسبوعين الأولين في تونس ومصر ظل سفراء الدول الأوروبية يقولون لنا إن هؤلاء الشبان هم إخوان مستترون! ولماذا؟ لأن الأنظمة الخالدة أقنعت دول الغرب أنه لا معارض لها إلا الإرهابيون والإخوان، ولأن هؤلاء الثائرين ليست لهم قيادات معروفة! على أن هذه الأسطورة الخيالية ما تكررت مع قيام الثورة السورية، لأن الغربيين كانوا قد تعودوا على حركات الشبان المدنيين، ولأن ثوار سوريا كانوا ولا يزالون - رغم القمع والقتل الهائل - شديدي الطهورية والسلمية إلى حدود غير مألوفة في الحركات الثورية في العالم الحديث كله!


ما هو مستقبل الإسلام السياسي إذن؟ هناك حركية زاخرة ضمن حركات الإسلام السياسي في كل مكان، وباتجاهين قد لا يكونان متناقضين: محاولة التلاؤم مع قيم الشباب ومسالكهم ومطالبهم، والتشرذم على خلفية الاختلاف مع قياداتهم التاريخية بشأن الأفكار وبشأن التحولات والأولويات الوطنية. والذي أراه أن الكتلة التي تبقى من حول القيادة لجأت في الشهور الماضية وستلجأ إلى القوى المحافظة في الأرياف والمدن، وإلى الجيش في مصر، لتحاول تمثيل طموحاتها في الاستقرار وفي قوة المؤسسة الرئاسية، وفي بعض النصوص ذات البعد الرمزي في الدستور والقوانين. ولا نملك إحصائيات عن نسبة الإخوان وتفرعاتهم بين الشباب في الجامعات بليبيا وسوريا، أما في مصر وتونس واليمن فإنهم لا يزيدون على الـ25%، والنساء بينهم أكثر من الرجال.


وتبقى ملاحظات ضرورية بشأن المخاطر والتحديات. هناك السلفيون في بعض البلدان وبخاصة مصر واليمن. وهؤلاء غير مسيسين، وكانت بعض تنظيماتهم بمصر وسوريا تشجع من جانب الأنظمة لمنافسة الإخوان. ومصير هؤلاء أن يستوعبهم الإخوان أو الجزء المحافظ منهم. وهناك الراديكالية الطهورية لدى بعض الفئات المدنية، التي يمكن أن تستثير حساسيات لدى المتدينين المحافظين، ويمكن أن يستغلها الإخوان لاستبقاء شعبيتهم. وهناك قدرات اللوبيات الداخلية والخارجية في نصرة هذا الفريق أو ذاك. وهناك أخيرا قدرة الشبان المدنيين على التنظيم وعلى نسج التحالفات.


لا داعي للخوف إذن من تيارات الإسلام السياسي، أيا تكن قدراتها على التوهج الآن، ما دامت الثورات العربية ثورات شعبية شاملة. أما الذين يصرون، رغم الوقائع الظاهرة، على إظهار الخوف من استيلاء الإخوان على الثورات، فإنهم لا يريدون في الحقيقة أي تغيير، ويقبلون أن نظل نهبا مقسما بين الولايات المتحدة وإيران وتركيا. والله المستعان.

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.