صحيفة العرّاب

إلى متى هذهِ الحرب؟!

 أ.د. صلاح العبادي

يبدو من المؤكّد أنّ التقديرات في إسرائيل تغيّرت، فالنظام الإيراني ازداد تماسكًا بعد الحرب عليه، ويسيطرُ على الوضع الداخلي. في الأيام الأولى من الحرب كان هناك احتمال بسقوطه، لكنّ الصورة الآن تبدو مختلفة تمامًا في تل أبيب.

صحيفة وول ستريت جورنال نقلت عن مسؤولين إسرائيليين، حقيقة تقديرات الحرب على إيران بعد خمسة عشر يومًا من القتال. التقديرات الجديدة تقول إنّ الضربات قد تضعف قدرات إيران العسكريّة؛ لكنّها لن تسقط النظام السياسي، لأنّ تغيير الأنظمة لا يحدث بالقصف الجوي وحده؛ بل يتطلب وجود بيئة داخليّة مهيئة وحاسمة؛ كأن تحدث مظاهرات واحتجاجات شعبيّة واسعة في الداخل الإيراني أو انقسام داخل مؤسّسات الدولة، وهي أمور غير متوافرة في المجتمع الإيراني الداخلي في الوقت الحالي، بل إنّ استمرار الضربات العسكريّة الأمريكيّة الإسرائيليّة المشتركة على إيران وقصف المدارس ومستشفيات أسهم في تقويّة الجبهة الداخليّة الإيرانيّة التي كانت متشظيّة في السابق، إثر الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران في نهاية العام الماضي؛ جرّاء سوء الأوضاع الاقتصاديّة والمعيشيّة.

حتى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه يقول بأنّه ليس واثقًا مما إذا الإيرانيون سيتمكنون من الإطاحة بالنظام، لكنّه تعهد بالعمل على تهيئة الظروف من أجل ذلك. فنتنياهو الذي كان يتحدث عن إسقاط النظام، وجرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهذهِ الحرب التي كبّدت واشنطن خسائر تجاوزت الـ 10 مليارات دولار في أيامها العشر الأولى تحوّل للحديث عن إضعاف القدرات الإيرانيّة.

الواضح أنّ الرهان الإسرائيلي على انهيارٍ سريعٍ للنظام الإيراني كان مبالغًا فيه، والحربُ قد تتحوّلُ إلى صراعٍ طويل. وهنا يدور السؤال المتعلق ليس فيما هل يسقط النظام الإيراني قريبًا؟ بل إلى متى يمكن أن تستمر هذهِ الحرب؟!.

في ظلِ الحرب الدائرة تجدُ الجماعات الكرديّة المسلّحة المتمركزة في إقليم كردستان العراق نفسها أمام خيارٍ بالغ الحساسيّة، إمّا استغلال اللحظة للتحرّكِ ضدّ النظام الإيراني أو تجنب مغامرة عسكريّة محفوفة بالمخاطر، في ظلِ غموض الموقف الأمريكي بشأنِ دعمها.

يبدو أنّ واشنطن تعوّلُ في هذهِ المرحلة على تحركٍ داخلي من داخل إيران بدء من دعمٍ مباشرٍ للمعارضة الكرديّة. الرئيس ترامب أعرب عن ثقته بإمكانية تحرّك الإيرانيين لإسقاط النظام، لكنّه أقرّ بأنّ هذا السيناريو قد لا يحدثُ سريعًا. في خضم هذا الغموض أطلق ترامب إشاراتٍ بدت مشجعة، وهي إشارات للجماعات الكرديّة قبل أن يتراجع لاحقًا، مؤكّدا أنّه لا يرغب في دخول الأكراد على خط الصراع، خشية تعقيد المشهد أكثر. ومع ذلك تواصلُ الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ ضرباتٍ مكثفة على أهدافٍ في المناطق الكرديّة غرب إيران، وهو ما يفسّر بأنّه محاولة لتهيئة الأرض أمام تحركٍ عسكري لهذهِ الجماعات ضدّ طهران.

الأسئلة التي تدور اليوم وهو السادس عشر من هذهِ الحرب، ما الذي يعنيه إرسال واشنطن وحدة بحريّة أمريكيّة استكشافية من قوات المارينز إلى المنطقة؟ وما هي المهام المنوطة بها؟.

في الواقع فإن هذهِ الوحدة مهمّتها الإنزال البحري، واقتحام الشواطئ البحريّة أو الإقليميّة، فهم نخبة من قوات مشاة البحريّة. فهذهِ الوحدة هي رأس حربه تعمل في مقدمة الحروب البريّة للدخول إلى الأرض وتهيئة الأجواء من خلال فرقها الهندسيّة، وما تحمله من مدرعات وبعض الأنواع من الطائرات التي لا تحتاج إلى حاملة طائرات. وبالتالي فإن واشنطن قد تغامر في القيام بعمليات عسكريّة من شأنها القيام بعمليات في بعض الجزر البحريّة للسيطرة على مضيق هرمز.

وقد يكون إرسال هذهِ القوات يأتي باعتبارها ورقة ضغط أمريكيّة ستستخدمها واشنطن ضد طهران، إذا ما ما أخذ بالاعتبار بأنّ هذهِ القوات التي أرسلت لا يمكن أن تكون كافية للقيام بالإنزال والسيطرة البحريّة في إيران.

الرئيس ترامب وخلال مقابلة له مع قناة فوكس نيوز قبل أيام، توعد إيران بشنِ ضرباتٍ مكثفةٍ عليهم خلال الأيام المقبلة، مؤكّدًا بأنّ الهدف تدمير نظام حكمهم بالكامل بحال لم يستسلموا وبشكلٍ غير مشروط. سبق لقاؤه هذا مؤتمرًا لوزير الحرب بيت هيغسيث استعرض فيه ما حققته القوات الجويّة الأميركيّة والإسرائيليّة من تدمير للأهداف الإيرانيّة يصل معدلها إلى ألف يوميًا، مشددًا بأنّ إيران لم يعد لديها قوى جويّة ولا حتى بحريّة.

تداعيات الحرب بدأت تظهر بشكل جلي على حياة المدنيين داخل إيران. فوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئيين قدّرت نزوح حوالي ما يزيد عن ثلاثة ملايين شخص من البلاد، مغادرين العاصمة طهران إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا في الشمال أو الأرياف. فيما تشتدُ معاناتهم من وضعٍ اقتصاديٍ صعبٍ ارتفعت معه أسعار السلع، وبدأت أخرى تختفي من الأسواق.

تفاقم الصراع في منطقة الشرق الأوسط من الممكن أن يؤدي إلى آثار طويلة الأمد على الاقتصاد الأمريكي وظروف الإئتمان.

فالاضراب في الإمدادات الناتجة عن الحرب، قد تؤدي إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وارتفاع معدلات التضخم.

ومن يستفيد من هذا الصراع منتجو النفط والغاز في الولايات المتحدة جرّاء ارتفاع أسعار النفط. إلا أنّه من غير المتوقع أن يكون للحرب تأثير جوهري على البنوك الأمريكيّة.

فتداعيات الحرب اليوم اتسعت لتصل إلى اقتصاديات المنطقة، مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب طرق التجارة العالميّة، مع ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن اللذين يعيدان المخاوف من التضخم.

فالوكالة الدوليّة للطاقة التي قررت الافراج عن أربعمئة مليون مليون من احتياطيات النفط الطارئة، وهو السحب التاريخي والأكبر من نوعه لن يغطي فعليًا سوى أيامٍ معدودة من الطلب العالمي؛ وبالمحصّلة فإنّ هذهِ الخطوة لا يمكن أن تساعد الأسواق العالميّة في سد العجز.

ومن هذهِ الحرب برزت موسكو كأول المستفيدين من الحرب بعد تلقيها إعفاء مؤقتًا استثنائيًا من أميركا، يتيح للدول شراء نفط روسيا ومنتجاتها البتروليّة العالقة في عرض البحر. هذهِ الخطوة جاءت كحاولة من الرئيس ترامب لتهدئة أسواق الطاقة المرتبكة بفعل الحرب، وكحلٍ مؤقت لا تزيدُ مدّته عن شهرٍ قد تستفيدُ منه روسيا في ظل ارتفاع سعر النفط، لكنّه لا يعني رفع العقوبات عنها.

الأسواق العالميّة وبفعل هذهِ الحرب تترقب مصير إمدادات الطاقة التي توقفت عن العبور عبّر مضيق هرمز، وبرز إنقسام دولي بشأن كيفيّة التعامل مع الأزمة، ففي الوقت الذي تلوحُ فيه الولايات المتحدة بخيار مرافقة ناقلات النفط عسكريًا إذا اقتضت الحاجة، بدأت بعض العواصم الأوروبيّة تحركاتٍ دبلوماسيّة حذرة مع إيران بهدف التوصل إلى تفاهماتٍ تضمنُ لها مرورًا آمنًا للسفن. فمنذ الأول من آذار الجاري تعرضت نحو عشرين سفينة تجاريّة، بينها تسع ناقلات نفط لهجمات أو حوادث في المنطقة.

خيار تأمين السفر عسكريًا لا يبدو مهمّة سهلة، في وقت تتراجع فيه حركة الملاحة في المضيق بنحو سبعين في المئة، رغم أنّه ممر يمرّ من خلاله نحو عشرين في المئة من إمدادات النفط والغاز المسال في العالم.

الحرب الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران تدخل يومها هذا، ولا أحد يعلم إذا ما كان الرئيس ترامب قد شبع أو تعب منها؛ فبدء يتحدث عن قرب نهايتها، في الوقت الذي تؤكّد فيه القيادة العسكريّة الأمريكيّة بأنّها أجهزت على جميع الأهداف العسكريّة والاستراتيجيّة التي وضعتها لحربٍ مدتها عشرة أيام. حتى أنّ الجيش الإسرائيلي غدا يلاحق عناصر قوات الباسييج في شوارع طهران، وغدت إيران مستباحة من الجو والبحر، وقيادتها مخترقة بفعل جهاز الموساد، بعد أن صنعت وكلاء لها في المنطقة خلال عقود ماضيات، وأمدّت أذرعها بالمال والسّلاح للعبث في نسيخ دول وتقويض أخرى، بينما وصلت نسبة الفقر في المجتمع الإيراني إلى أربعين بالمئة.

ووسط هذهِ الضبابية في المشهد السياسي دخلت دول عدّة ومن بينها روسيا على خط الوساطة، من أجل فتح مضيق هرمز، ولخروج النفط الإيراني إلى الصين ودخول السفن الأمريكيّة إلى الخليج.

الأسبوع الجاري قد تتنافس فيه الأحداث العسكريّة، مع تصاعد جهود الوساطة لإنهاء الحرب. فهل يحظى الإيرانييون بعيد فطرٍ هادئ؟.

'الرأي'