صحيفة العرّاب

جيل زد في الأردن .. حالة خاصة جدًا

 سامح المحاريق

 

بحسابات وسطية يمكن وضع مواليد الفترة من 1997 إلى 2012 داخل التصنيف الخاص بالجيل زد، والمعنى من ذلك الحديث عن جيل كامل يمكن أن يعتبر منتميًا لعصر التكنولوجيا مقابل الأجيال السابقة التي عايشت الحياة من غير الهواتف المحمولة، وكانت تعتبر الصحف والتلفزيون مصادر لمعرفة ما يدور في العالم.

لزمن طويل بقي كتاب الأعمدة في الصحف يقودون الرأي العام، واقتصرت عملية الجدل والحوار المجتمعي على بريد القراء، الذي كان يتعرض لانتقائية شديدة في التعاطي معه، ولم تكن البرامج التلفزيونية بعيدة عن هذا النمط.

على المستوى الاجتماعي، لم تكن مجموعات الواتس أب التي تجمع الأمهات للتواصل مع الحياة المدرسية لأبنائهم متواجدة، وبقيت العلاقة مع المدرسة قائمة على فائض الثقة الممنوح لوجودها المؤسسي في المجتمع، وكانت مساحات التداخل والمتابعة لحياة الآخرين محدودة وتقتصر على التواجد الشخصي في محيط مكاني معين.
لم تكن التكنولوجيا تقدمت كثيرًا، وإعداد معاملة مالية يتطلب أحيانًا كتابة القيود اليدوية وترحيلها إلى الحاسب الآلي، أو وجود وسيط شخصي يقوم باستلام وتسليم الأموال بعد ساعات أو أيام.

ما حدث هو تحول جذري في الحياة، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت شخصية الإنسان تحمل طابعًا مزدوجًا والفجوة بين الشخصية الفعلية والافتراضية ينتج الكثير من التوتر والضغط النفسي، ويغذي آليات التأنيب الذاتي ويمنح الآخرين آليات للتقييم المتواصل ويحتفظ بسجلات للأحداث والوقائع والمواقف، صحيح أنها تنسى بصورة سريعة قياسًا ولكنها تبقى قابلة للاستعادة.

كل المواصفات التقليدية التي يعيشها جيل زد في أي مكان في العالم، تصبح أكثر تعقيدًا عند وضعها في المنظور الأردني، حيث أن طبيعة الازدواجية عميقة في المجتمع الأردني، ليس بالمعنى السلبي، ولكنها متشكلة في حالة من الخصوصية.

الفرد في المجتمع الأردني لم يتحول إلى المدينية بالمعنى الكامل، وما زالت، وإلى حد متباين، دواوين العشائر والقرى تسكن في الأسرة الأردنية، بمعنى وجود شخصية تمثلية فردية وأخرى جمعية بالضرورة.

لهذا الأمر بعض الأثر الايجابي، ففي الأردن أتت هذه التكوينات الاجتماعية لتكون حائلًا أمام فرض واقع طبقي خانق يحدد بصورة مطلقة ومبرمة وضعية الفرد في المجتمع، وما يمكن وصفه بالأردن وجوردن لا يشكل انقطاعًا كاملًا بين مجتمعين، فما زالت التكوينات العشائرية والجهوية تحافظ على هيئة كلية متماسكة ومساندة للدولة، على الرغم من عدم قدرتها على التكثيف واستنهاض الإمكانيات لأنها ليست مؤسسات شاملة.

الموضوع الرئيسي ليس التكوينات الإجتماعية، ولكن التوضيح أتى لتجنب الفهم الخاطئ، والمشكلة في حالة الفرد، وفي حالة الفرد المبتسر وغير المكتمل نفسيًا مثل المراهق أنه يجد نفسه داخل تعريف إضافي وازدواجية أخرى بين ما يمثله ذاتيًا، وبين ما يحمله من تحديد اجتماعي.

لم تعد المراهقة هي التي يعرفها جيل آبائنا، فاليوم يوجد مفهوم المراهقة الممتدة الذي يمتد أحيانًا إلى الخامسة والعشرين، وسأضيف وجهة نظر الشخصية أن المراهقة تنتهي فعليًا على مشارف الاستقلال في منزل خاص وعلاقة أسرية جديدة، وهي كانت تنتهي في الثامنة عشر أو التاسعة عشر لأن الحياة الأسرية الجديدة للفرد كانت تبدأ بعد التخرج في الجامعة، أي في الثالثة والعشرين، ولكن مع الإزاحة التي حدثت لسن الزواج لتصل إلى الثلاثين عامًا، يجعل المراهقة تمتد حتى الخامسة والعشرين، وفي حالات فردية لأكثر من ذلك، ويمكن ألا تنتهي أبدًا إلا بشخص لم يعش حياته بالمعنى الذي ورثه عن المجتمع، وعليه فهو يخضع لمعايير المجتمع التي تصمه بأنه لم يحقق شيئًا.

الشريحة الواسعة من جيل زد في الأردن تقع تحت أزمة الشخصية المزدوجة بين واقعها وطموحها، وبين فرديتها وخلفيتها الاجتماعية، وبجانب ذلك المراهقة الممتدة، وتعاني فوق ذلك من صراع التقاليد القائمة وما تنتجه من تحالفات في بيئات محكومة من الجيل القديم مثل المدارس والجامعات، وفرضهم رؤيتهم وطريقة تقييمهم وتجربتهم التي أتت في ظروف مواتية على مستوى الأردن والعالم ككل، وذلك كله يقع على أكتاف الأبناء من الجيل الجديد ممن لم يعيشوا نفس الظروف، ولا يحظون بنفس الفرص.

جيل زد لا يطلب الكثير، ولا حتى الامتيازات الاستثنائية، فهو يعرف أنه يعيش عصرًا صعبًا، ولكن من حقه أن نتفهم ظروفه المختلفة، ولا نحاصره في شروطنا وأحكامنا المتقادمة، ولا أن نشكل عليه ضغطا إضافيًا، فذلك لن ينضجه ولكن سيجعله عرضة لمزيد من الارتباك والتوتر وسيورثه جبهة أخرى عليه أن يقاتل عليها من أجل أن يحقق ذاته ويستكمل حياته بما يتناسب مع العصر الجديد وواقعه ومعادلاته.