ايمان بيشة…حاضنة و ارادة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2017-06-06
4052
ايمان بيشة…حاضنة و ارادة

بقلم الاعلامي .. بسام الياسين

 {{{ الفن يعتلي اعلى درجات التأثير حين يكون ضمير الامة.يحكي بامانة وجع شعوبها،عندما يعزف نغمة آلآمها المُرة على اوتارها المشدودة.يرسم بخبطة ريشة فنان منتمٍ على لوحة مستقبلها طموحاتها الطموحة.يُعبر برقصة ثرات عن ماضيها،قافزاً عن حاضرها العنين للعبور الى مستقبلها الواعد.يكتب بكلمة جريئة صرخة مدوية لإسقاط طغاتها. فن امين مؤتمن يرسل الف اشارة معلنة وملغومة من خلال مسرحية هادفة لتحريك شوارعها و تثوير جماهيرها على الظلم والظلمة. و إلا اصبح الفن للفن وسيلة لرفاهية اغنيائها، يشتري واحدهم لوحة بالملايين ليضعها في الحمام او قاعة السفرة،و سلاحاً فتاكاً يطلق نيرانه للخلف كمسرح دريد لحام التنفيسي وعادل امام التهريجي }}}.

ان لم اكن من اسعد الناس،فانا من اسعدهم،عندما قادتني الصدفة المحضة للاستماع الى صوت الطفلة الاردنية ايمان بيشة الاوبرالي.صوت متناهٍ في الرشاقة.تذهلك صاحبته بقدرتها الاستثنائية على تلوين نغماتها،والتحكم في طبقات صوتها بمهارة عالية وكفاءة استثنائية.قدرة اعجازية يعجز عنها المتمرسون في فن الغناء.موهوبة تحبو خطواتها الاولى،غامر مدربها بقذفها في بحر عميق متلاطم لا يقربه الا ذوي المواهب الخارقة.المفاجأة المذهلة ،اعتلاؤها القمة منذ اللحظة الاولى حين ركبت الامواج العالية وطوعتها كانها تسبح في بانيو.فزاحمت الرواد وانتقلت من منصة الهواة الى عتبة العالمية.

مهرة معجونة بالموسيقى،تُدخلك الى عوالم غامضة لم تكن تحلم بها.تفتح لك ابواباً خيالية كنت تظن انها مُشفرة وحكراً على صفوة الصفوة.فاذا انت امام طفلة،تنتعل حذاءً نورانيا .تطير بك باجنحة ملائكية الى علو شاهق،فتفتح عينيك على اتساع محجريها،لتجد نفسك فوق غيمة.تلتقط من فوقها ما تشاء من صور فاتنة على ايقاع سمفونية ولا احلى .موسيقى بالغة الاناقة تنفذ الى مسامات جلدك من دون استئذان بل رغماً عنك ،لتنهل بعدها من غدرانها العذبة ما شئت حتى ترتوي،هذا ان ارتويت ،فالشارب من نبع ” صوت بيشة ” لا يرتوي ابداً .

الطفلة الشركسية الاردنية،تشعرك انك جائع لمثل هذه اللحظة الاعجازية لان الفرق شاسع بين موسيقى الضجيج والموسيقى الهادئة. ثمة حضور قوي فيها غموض لا تدري كنهه.سحر مبهر يشدك اليها،كنت تظنه في قرارة نفسك وهماً لحظياً عابراً، و اذا به ماثل امامك بشحمه ولحمه،يقطر انغاماً حلوة.يحاورك بلغة شعرية،فيدغدغ مشاعرك الانسانية حتى تصفو نفسك ،تشف روحك، يرقص قلبك على ايقاع الحب والجمال والسلام.صوت ملائكي ينشلك انت وغيرك من جُب العتمة الى فضاء النور و انت تسبح على قيثارة الامل،لتدرك عندها، ان الارض تتسع للجميع وعليها ما يستحق الحياة. و الانسان مشروع حياة.

لا بؤس،لا دم، لا بارود.خُلق ليبني الارض ويعمرها بمجتمع التراحم، المحبة.لا مجتمع القسوة.السؤال الذي يطرح نفسه :ـ لماذا نعيش ابشع الازمنة منذ خلق الله خلقه. زمن الموت المجاني،وتحول العقل العربي الى مغارة مظلمة يعيش فيها علي بابا و الاربعين حرامي.زمن مريض،ذاكرة انسانه محشوة بالكوابيس المؤرقة لا يرى في منامه سوى ازمة المواصلات، دعاية المولات الضخمة ،كلفة الطعام.،فواتير الصحة والتعليم…بمعنى انه لا يشعر الا بجسده،بينما الاهم، روحه خارج الحساب. تلك هي فضيحة الانسان الدابة الذي لا يرى الا مساحة المكان الذي يطأطيء فيه راسه ليلتقط منه عشبه،فيما الحرامي الكبير يُخلى سبيله فور القاء القبض عليه،وفي احايين كثيرة يتم تبرئته قبل توجيه لائحة الاتهام الية حيث بلغ بهم الظلم الى تحويل المحاكمة من عدالة لمفسدة.

النهر يسير للامام…النهر لا يرجع للوراء. هكذا ما قالته لنا ايمان بيشة الطفلة دون استخدام مفردات لغوية او فلذكات سياسية مكيافيلية حمالة اوجه عدة..قالت بدندنة موسيقية ناعمة لكنها لاذعة وموجعة :ـ عندما يسرق الكبار ،ويشيّدون قصورهم يدفع الثمن الفقراء من قوتهم .فمتى يتعلم هؤلاء الكبار/ الصغار ان تكون اللقمة،الكتاب،الاسطوانة رخيصة في متناول الجميع بلا استثناء،لا ان تكون قاصرة على الاغنياء. متى نتعلم ان لا ننجر وراء خطاب التفرقة التي تعكس شخصية صاحبها المأزومة وتنم عن خواء صاحبها ونقصان عقله وضعف رأيه..وختمت قولها بفصحى بليغة وبصرخة مدوية :ـ الحرامي الكبير لماذا يخلى سبيله فور القاء القبض عليه و احياناً قبل القاء القبض عليه يتم تبرئته ؟!.

الطفلة المعجزة ايمان،اعادتني ازيد من ثلاثة عقود للوراء، حينما كتبت عن اسطورة الاوبرا العالمية اليونانية الابوين “ماريا كالاس” الذي شكل رحيلها المبكر صدمة لعشاق فن الاوبرا، اثر قصة حب مدمرة مع الملياردير اليوناني اوناسيس الذي تخلى عنها ليتزوج من ارملة الرئيس الامريكي جون كنيدي.يومها قال النقاد الموسيقيون ان صوت ماريا المزلزل الذي زلزل اوروبا ورجَّ كيانها لن يتكرر.في ظني انهم اخطأوا فالبشرية ولادة لا ينقطع طمتها و لا تتوقف عن الحبل. ها نحن اليوم نشهد ميلاد مغنية الاوبرا الاردنية ” بيشة ” المغزولة على نول ملائكي لا احلى ولا اجمل منها التي رسمت خيوط مجد اردنية،فكسرت اقفال حزن قلوبنا الموصدة،نكأ ت جراحنا العاطفية الساكنة،فجّرت مدامعنا المتحجرة لما حلَّ بنا من فجاجة اداء ساستنا بادائها المهيب المؤثر كنفحة طيب آتية من الجنة.

ايمان تفوقت على غيرها بقدرة النفاذ الى دواخلنا،وملامسة زوايا الذاكرة العميقة المعتمة في نفوسنا.حركت الراكد من مشاعرنا.رفعت ثقتنا بالمستقبل بامدادنا بطاقة ايجابية مجبولة بلغة شعرية رقيقة،تقطر حساسية،وتفيض انغاماً اعذب من عذبة، لا طاقة كاذبة تعتمد على حماسة الضجيج كأنها دعوة للنفير بطريقة فوضوية فلا تدري انك في ساحة حرب ام انك في لحظة رومانسية..الابلغ ان هذه الطفلة علمتنا درساً في الصبر والمثابرة،وكيف يحقق الانسان ذاته،ويجسد بالاصرار نزعة الانسان التفوق لديه،فلا مستحيل مع الارادة.

مقولة سادت في القرن الماضي تقول:ـ { القاهرة تُؤلف،بيروت تطبع،وبغداد تقرأ . الآن القاهرة ترقص،بيروت تسكر،وبغداد تلطم }. غارت ينابيع الثقافة وتلوثت حتى تجرأ يوسف زيدان على البطل صلاج الدين بانه ” احقر شخصية تاريخية “،وتطاول قبلها اسامة عكاشة على الصحابي عمرو بن العاص.فانهار المسرح، بهتت الوان اللوحة،وتحولت الملاعب الى ميادين حرب.لا رياضة،لا فرق ثراثية تنفخ في مجمرة الماضي.اصبح الفن العربي اعمى البصر والبصيرة .اخذ يمشي خبط عشواء كحاطب ليل.جاءت ايمان بيشة لتعرية واقعنا ولتكشف هشاشة حالتنا الثقافية.

المشهد الثقافي يعيش ازمة خانقة يلفظ انفاسه في غرفة الانعاش.طال الخراب والتخريب مناحي الابداع كلها.ما يدل على غياب الحاضنة الدولة.فوزارة الشباب غائبة ووزارة الثقافة المأسوف على شبابها غير حاضرة، و اهل الفن كلهم لاذوا وراء الكواليس يندبون حظهم ،بعد ان انحسرت الاضواء عنهم،وجف حبرهم،و صدأت حناجرهم حتى ان بعضهم مات بحسرته وبعضهم مات معدماً،حتى ان واحداً منهم عمل اواخر حياته مؤذنا كي لا يمد يده و يشحد عليها.رسالة الطفلة الاوبرالية ان الموهبة بحاجة الى حاضنة،بوصلة،رعاية مستمرة كشتلة صغيرة.فكانت الام هي الحاضنة،و الاب حامل البوصلة لتكون الابنة شيئاً مذكورا، يشار لها بالبنان،فكان لها ما اردات و اجبرتنا على الانحناء لها امام عظمة انجازها.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.