• المدير العام ( المفوض ) .. عماد شاهين
  • يمكنك الاعتماد على وكالة العراب الاخبارية في مسألتي الحقيقة والشفافية
  • رئيس التحرير المسؤول .. فايز الأجراشي
  • نتقبل شكواكم و ملاحظاتكم على واتس أب و تلفون 0799545577

بعيدًا عن الفزعة .. لماذا السردية ولماذا الآن؟

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2025-11-30
479
بعيدًا عن الفزعة .. لماذا السردية ولماذا الآن؟

 

سامح المحاريق

 السردية الوطنية عمل من الأهمية بمكان، وكل الحديث الذي يدور حول بنائها أو التوافق عليها، مشروع ومبرر، ولا تنفرد به الأردن، بالحديث عن السرديات والتحولات الكبرى على صعيد ما يتصوره أي شعب عن نفسه يتفاعل ويتصاعد في بلدان مثل الولايات المتحدة، وإن كانوا لا يصفون الأمر بالسردية، ولكن مجرد عودتهم لتصورات أمريكا الصناعية البيضاء هو فعل لتعديل السردية القائمة، ويبدو أن العديد من البلدان الأوروبية تدخل بدرجة أو بأخرى في عملية مراجعة سردياتها ليس لغاية المراجعة وحدها، ولكن لبناء منظومات وأطر قيمية جديدة.


السبب الرئيسي في التوجه إلى السرديات والتصورات يقوم على التهديد الذي يلحق بالدولة نفسها، فكرة الدولة تحديدًا ودورها ووظيفتها، فالعالم يعيش لحظة حاسمة ويقف مترددًا للدخول في عالم ما بعد – الدولة، والطروحات تتوزع بين العودة إلى المجتمعات الفرعية مثل المدن، أو وجود الشركات العابرة للقوميات، ولم يعد خافيًا أن بعض الأوساط النخبوية تناقش هذه المصائر في بعض البلدان الأوروبية.

الدولة والمجتمع يقاومان في العديد من مناطق العالم، لأن كثيرين يرون في مرحلة ما بعد – الدولة استسلامًا لمصير سوداوي تنبأت وما زالت تتنبأ به أوساط أخرى من سيطرة قوى مختلفة في قوامها وأخلاقياتها على العالم باستخدام التكنولوجيا الفائقة واستراتيجيات السيطرة والمراقبة التي تفرضها، ولذلك تبحث كل دولة عن إعادة التعريف لدورها ولمشاركة المجتمع تجاه الإبقاء على ما يمكن وصفه بالمصلحة المشتركة للشعوب وعلاقاتها البينية وعلاقاتها ببعضها.

لدينا في الأردن مهمة معقدة، فنحن لسنا بلدًا طرفيًا في الجغرافيا، مثل النرويج أو كوريا، كما أن تاريخنا مزيج ثري من التحولات الكبرى، فالأردن بلد عربي بثقافته وتراثه، ولكن ذلك لا ينفي وجود مؤثرات سريانية خاصة، وتواجدًا كرديًا وأنماطًا مملوكية، وكان الأردن مهدًا لتحولات دينية كبيرة، فالأردن شريك في ظهور المسيحية وخروجها إلى العالم، ومنصة أساسية للفتوحات الإسلامية، بل والحدث المحوري للانتقال من الخلافة الراشدة إلى تأسيس الدولة الأموية كان في بلدة أذرح جنوب المملكة.

نحن أمام مهمة جسيمة، لا يمكن أن تكون أرضًا للهواة أو الطامحين لأداء دور أو فرض رؤية، وليست مكانًا مناسبًا للهوى ولعبة التضخيم والتهوين، فالسردية لا يجب أن تستخدم في غير هدفها من تعزيز هوية وطنية خاصة بالأردن تجعله حصينًا في مواجهة نزوات التفكيك وإعادة التركيب.

علينا أن ندرس عبقرية المكان وظروفه، تلك التي جعلت العبرانيين يتحدثون عن القيداريين بوصفهم مناهضًا موضوعيًا ومنافسًا لهم، وعن القبائل التي هي أصل العروبة في نسختها المفترقة عن النسخة اليمنية بعد أن استأنس أهل المنطقة الخيل والجمال وتمكنوا من الخوض في الصحراء العربية لتدبير طرق التجارة وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور المملكة النبطية التي كانت حلًا لمعادلة عبء المكان وميزته في الأردن.

بجانب ذلك، من هم الأردنيون؟ شعبنا الذي يعيش على ثرى الأردن من شماله إلى جنوبه، ما أفكاره وما قيمه، ما حكاياته وما دلالاتها العميقة والمستترة، وكيف تؤثر على العلاقات الاجتماعية القائمة، وما هي حكاية تكون الدولة، خاصة أن الدولة الأردنية واجهت حملات من التشويه والاتهامات المعلبة في ظل التقسيم التعسفي بين التقدمية والرجعية في مرحلة حرجة من نشأة مشروع التنمية والحداثة في المنطقة العربية ككل.

ليس علينا أن نبدأ من فراغ بالمناسبة، يوجد لدينا من بدأوا مبكرًا وأذكر الأصدقاء مهند المبيضين ومحمد أبو رمان في مطلع الألفية زميلين في واحدة من الصحف يشتبكان مع هذه الموضوعات كتابةً أو نقاشات مطولة على مقهى فارنا، وأتذكر الشذرات التوجيهية اللامعة للدكتور حسين محادين، والمشروعات الطموحة التي قامت على مبادرات شخصية كان يجمعنا خلالها الأستاذ هاني الحوراني للبحث في التاريخ الشفهي، وأتابع شبابًا واعدًا مثل علي عبيدات وبكر الرقاد، وأعتقد أن الأستاذ أحمد أبو خليل مستأمن على جانب كبير من سرديتنا الوطنية التي جمعها في الهوامش والمنسي من تطور مجتمعنا وتنهدات الصامتين والمتعبين الذين يتابعون من غير حيلة، وعلى صفحات الرأي أيضًا كان زميلي مفلح العدوان يقدم الكثير في تجواله في قرى ومدن الأردن وبواديه.

المؤسسات الرسمية لم تفعل شيئًا لسنوات، فكيف يمكن أن تستدعى اليوم لأن تستدرك ما حدث، ما الذي كان يمنعها، كيف أهدرت سنوات طويلة من غير طائل، والدعوة هي لمؤسسة جديدة بروح مختلفة تجمع الذين عملوا بصمت وتحملوا التكلفة ليكون ذلك عملًا وطنيًا حقيقيًا لا مجرد فرصة لتوليد اللجان من اللجان.

الدعوة التي أطلقها ولي العهد في الطفيلة أتت من بين الناس، من مجتمع أردني له خصوصيته وجزء من الصورة الكاملة للأردن، وعلى من يرغب في بناء سردية حقيقية أن يمتلك ناصيتها من بين الناس ومجالسهم، ومن الوثائق والحقائق التي تتماشى مع هو منطقي ومتاح وممكن في التاريخ، ومن دراسة أوضاعنا الحالية وكيف عبرنا أزماتنا التاريخية، وهي مهمة تحتاج بنى مؤسسية غير تقليدية، لا هي أكاديمية بالكامل، ولا يكون قوامها من موظفين، وتكون مفتوحةً أيضًا للتفاعل مع الأردنيين جميعًا.

لم يكلف ولي العهد أي جهة بصورة مباشرة، هو استنهض المؤسسات وأوصل لها رسالة تجول في خاطر الأردنيين منذ سنوات، والتقاط هذه المسؤولية يجب أن يضع في اعتباره أن تعود إلى الناس من خلال فعل وفعالية ثقافية وإعلامية، لا أن تبقى معزولة في رفوف المكتبات ودهاليز الأرشيفات أو في مجرد نسخ أنيقة ملقاة على الطاولات الصغيرة في غرف الانتظار في المكاتب الحكومية.

ومن يتصور أن السردية ستكون نتيجتها كتاب يوزع بين الناس فهو مخطئ، لأنها ستكون مجموعة من مستويات الخطاب، السياسي والاجتماعي، وفعلًا ثقافيًا وتربويًا متصلًا، بمعنى أنها ستدخل في بنية كاملة من أجهزة الدولة ومؤسساتها.

الفزعة قيمة أردنية غالية وجزء من سرديتنا الوطنية، ولكنها غير قادرة على توليد سردية منصفة وواقعية يمكن تبنيها، سردية توجه إلى الأردنيين جميعًا ومنجزهم المتمثل في دولتهم المحترمة والراسخة.

الراي
 
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.