يحـدث في رمضـان

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2009-09-15
1705
يحـدث في رمضـان

ما أجملك يا رمضان ، شهر مختلف عن كافة الأشهر ، يقلب حياتنا رأسا على عقب ، يقتل الروتين الذي نعيشه ، ويجعلنا نهتم بتفاصيل لا نتوقف عندها عادة ، ففي رمضان فقط ننظر إلى أعلى لنرى القمر في حجمه المتواضع لا بكامل نوره وبهائه ، وفي رمضان فقط نعرف بالدقيقة مواعيد الصلاة وبخاصة الفجر والمغرب ، وفي رمضان تسمو الروح وتتسامر مع خالقها.

ومع جوعنا وبطء عمل أجهزتنا تقوى روحنا ، ويحاول الإنسان المصالحه مع نفسه ومن ثم مع الآخرين فتزيد صلة الأرحام وزيارة الأصحاب ونسعى في الصفح عن صديق قديم أساء. يأتي رمضان وفي جعبته الخير ، فهو شهر الخير والبركات. للبعض هذا من باب لوازم حديث رمضان ، وللسواد فهو جوهر ما يعنيه الشهر إليهم ، وقد ينتظرونه طيلة العام ويحلمون بما قد يحمله إليهم. في رمضان يُخرج معظم الأغنياء زكاتهم ، وينتظر الفقراء لعل أحد الأغنياء يطرق بابه أو لعل أحد الصحف تصور وضعه المأساوي فيتعاطف معه الناس. ففي رمضان قد تنقلب حياة البعض...
 
سأحدثكم بقصة تحدث في رمضان ، أؤكد لكم أنها ليست ضربا من الخيال. سأحدثكم بقصة صديقي (ع) الذي انقلبت حياته رأساً على عقب. صديقي هذا موظف بسيط يعيل بالإضافة الى عائلته ، عائلة أخته الأرملة وعائله أخيه المشلول ، وأشهد بأنه لم يمد يده من أجل عائلته ، وإنما كان يدق الأبواب ليساعد أبناء إخوته في أقساط الجامعة أو لتوفير فرصة عمل بسيطة لأحدهم ليساهم في إعالة أسرته. قبل أيام اتصل صديقي طالباً لقائي لأمر هام ، وعندما التقيته حدثني بما حدَث معه: كان في طريقه إلى عمله في عمان من قريته ، وكآلاف الموظفين الذين لا يملكون ثمن أجرة الباص وقف على قارعة الطريق ينتظر سيارة لعل سائقها يشفق عليه ويقلّه ، وفعلاً وقفت سيارة فارهة وأشار له السائق بالركوب ، وخلال الرحله التي امتدت لأكثر من ساعة تجاذبت أرواح الشخصين ، وعندما وصل صديقي إلى عمله وهمّ بالنزول ، قال له صاحب السيارة: تمنَّ وأي شيء تتمناه سأحققه لك. أجابه صديقي بطيبته المعهوده: لا أريد أي شيء لي ، فأنا في نهاية الشهر يبقى قليل من الحليب لأولادي ولكن الكثيرين في قريتي لا يستطيعون توفير حليب لأطفالهم طوال الشهر. نزل صاحب السيارة وفتح شنطة السيارة وسلمه حقيبة ، قال له إن فيها نقوداً ولكن اشترط عليه أن لا يأخذ أي دينار منها وإنما يوزعها كاملة على فقراء قريته. عدّ صديقي المبلغ فوجده مائة وثمانون ألف دينار، قال لي إنه أصعب موقف في حياته ، فالمال أمامه ولا يستطيع مدّ يده إليه ، وذكرني بقول الشاعر مسكين الرومي
 
أعُفُّ لدى عسري وأبدي تجملاً
 
ولا خيرَ فيمن لا يعُفُّ لدى العسر
 
بعد فترة قصيرة اتصل الرجل الكريم بصديقي لمقابلته ، وسأله كيف أنفق المال ، فأخرج صديقي ورقة من جيبه كتب فيها قوائم الأشخاص الذين وزعت عليهم النقود وما فعلوه بها ، فالأرملة المهددة بالطرد اشترت شقة ، والأخ المشلول فك رهن المنزل ، و دُفعت أقساط الجامعة المتأخرة ، وتوردت وجنات الأطفال الذين كانوا يعانون من سوء التغذية وقد تلذذ بعضهم بطعم الفاكهة لأول مرة ، إلى آخر القائمة. فسأله الرجل الكريم: الآن اطلب لنفسك. وألح عليه ، فأجابه صديقي: إن الأعمار بيد الله ولكن لو متّ قبلكم فوصيتي الأولاد. وبعد أيام عاد الرجل الكريم ليهب له ملكية عمارة بأسماء أولاده ، يستفيدون من إيجاراتها. في نهاية لقائي به أخرج صديقي خمسمائه دينار ومدّها إلي ، فاعتذرت بأنني في نهاية الشهر أطعم أولادي بفضل من الله ولكن الكثيرين لا يطعمون أولادهم طوال الشهر ، وطلبت منه أن يوزع المبلغ نيابة عني.
 
ألم أقل لكم أنه شهر الخير والبركات وأن نفحاته ونسماته قد تقلب حياة شخص رأساً على عقب ، وفيه نتعظ ونتعلم ، فما أروع هذا الموسر الكريم الذي يدخل البسمة على مئات العائلات دون أي ضجيج إعلامي مكتفياً بالأجر العظيم الذي يطمع به من رب العباد ، وما أروع صديقي الذي صدّق الآية الكريمة"فَإًنَّ مَعَ الْعُسْرً يُسْرًا إًنَّ مَعَ الْعُسْرً يُسْرًا"، وهكذا حقق الاثنان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة ، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامه ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". * اسماعيل الشريف
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.